الحرب الخفية في ميادين العقول
أدرك الأسلاف أنه كي نخوض الحروب علينا أن نأخذ في الحسبان أن قوة السلاح ليست هي العنصر الوحيد الذي يحدد النصر في المعارك، ولكن لا بد من إقناع المحارب من أجل فكرة، سواء كانت مادية أو معنوية. هنا وُلد "المقدّس" بوصفه الفكرة مجردةً، يتم استغلالها واستخدامها منذ الأزل وإلى يومنا هذا لضمان السلوك وصناعة الولاء. وما زالت هذه الفكرة نافذة المفعول.
كما نلاحظ أن الحروب اليوم لم تعد تُخاض بالأسلحة وحدها، بل أصبحت تُدار أيضًا عبر شاشات التلفاز وشبكات التواصل الاجتماعي، عبر الكلمات والصوت والصورة، لتخلق المعلومة المراد تسويقها. وفي عصر الإعلام الرقمي، جُعل العقل البشري الساحة الخلفية لصراعات غير مرئية تستهدف الأفكار والمشاعر، وجعلها سبيلاً لخلق واقع يُراد تصويره. لذلك لم يعد الخطر الحقيقي في فهمنا لواقع نقص المعلومات، بل كثرتها، ناهيك عن صعوبة التمييز بين الحقيقة ونقيضها.
فالإنسان يستيقظ صباحًا أمام سيل جارف من الأخبار والتحليلات والمقاطع القصيرة، تُقدَّم بسرعة هائلة كوجبات سريعة للدماغ، حتى أصبح يعيش وسط ضوضاء معرفية تُضعف قدرته على التفكير الهادئ أو التأمل، فضلًا عن التحقق من كل ما يقرأ ويسمع ويشاهد. وهنا ظهرت الحاجة إلى ما يمكن تسميته بعملية تفعيل الوعي، أي امتلاك ملكة الوعي والقدرة على التفكير النقدي اللذين يحميان العقل من الخداع والتلاعب.
هذه الظاهرة ليست جديدة، حيث أدرك كثير من المفكرين خطورة التأثير في المُشاهد منذ زمن، فقد أوضح علماء النفس الاجتماعي أن الجماهير كثيرًا ما تنقاد وراء العاطفة والصور والشعارات الرنانة أكثر من انقيادها للمنطق والحقائق. كما تبين دراسات نقدية أيضًا أن المؤسسات الاجتماعية بكل أنواعها تعمل من أجل خلق مؤثر للوعي المجتمعي، إلى جانب المدارس والجامعات، إضافة إلى أبحاث في الأنثروبولوجيا تبين أن المعرفة قد تتحول إلى أداة سلطة وهيمنة عندما تُستخدم لتوجيه وعي الناس والتحكم في إراداتهم من حيث لا يشعرون، ومن هنا نُعتت بالسلطة الرابعة.
وقد لاحظنا كيف تستطيع بعض وسائل الإعلام صناعة الرأي العام عبر التركيز على موضوع معين من خلال التكرار والانتقاء والتحكم بطرق عرض الأحداث، وهذا الأسلوب يعرفه طلاب الإعلام في مراحلهم الأولى، وكيف يتم التعامل مع المؤثرات الصوتية والأسلوب. ولهذا لم يقتصر التأثير على خطابات السياسيين، بل انتقل إلى من هو متخصص في سيكولوجية الإعلام والتسويق، ليستخدم أدوات تحليل دقيقة للغاية تتناغم مع سلوك المستهلك وتتعرف على نقاط ضعفه العاطفية. فهم على دراية بكيف يمكن للخوف أو الغضب أو الأمل أن يدفع الإنسان إلى تبنّي الفكرة، ولهذا تعتمد بعض منصات التواصل الاجتماعي والذباب الإلكتروني على الإثارة وصناعة الجدل لجذب الانتباه، خصوصًا أن المؤثرات العاطفية تنتشر كالنار في الهشيم.
وقد أكّد العديد من ذوي الاختصاص أن أخطر أشكال السيطرة الحديثة ليست السيطرة على الأجساد، بل السيطرة على الوعي وتوجيه الإدراك الجمعي، فالمجتمعات التي تفتقر إلى التفكير النقدي تصبح أكثر عرضة للتأثر بالخطابات الموجَّهة والمعلومات المهندسة نفسيًا. ومن هنا أصبح الوعي المعرفي ضرورة حضارية، لأن الإنسان غير القادر على النقد قد يتحول إلى ضحية، كمتلقٍّ سلبي يعيد إنتاج الأفكار دون وعي ويساعد في انتشارها.
لذا فإن اعتماد السؤال والنقاش هو الطريق الأمثل للتقرب من إدراك الحقيقة، مع ضرورة التثبت من الأخبار وعدم قبول الروايات دون التيقن منها، فضلًا عن عدم نشرها، خصوصًا أن الأخبار غالبًا ما تتأثر بالمصالح والأهواء.
وفي النهاية، فإن أخطر حروب هذا العصر ليست تلك التي تحسمها نيران المدافع، بل تلك التي تُخاض في ميدان العقول. ومن هنا أصبح بناء الإنسان الواعي ضرورة لا تقل أهمية عن بناء الجيوش وبرامج اقتصادية رصينة، فالأمة التي تمتلك وعيًا نقديًا يصعب تضليلها أو السيطرة عليها، مهما اشتدت الحرب الخفية في ميادين عقول أبنائها.