الأمن الاتحادي والمعادلة الأميركية
لم يعد يخفى على المتابع للشأن العراقي والدولي الضغط الذي تمارسه الولايات المتحدة لغرض فرض أجندتها في العراق، وتحديداً في ملف الفصائل المسلحة والحشد الشعبي.
تعتقد الولايات المتحدة أنها أخطأت عندما انسحبت من العراق وتركت إدارة البلاد لإيران، فالرئيس الأميركي الحالي يتعامل بعقلية رجل الأعمال والتاجر، وهذه العقلية تتعامل مع الأشياء على قدر الربح وتحقيق المنفعة.
يرى الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن واشنطن هي الأحق بإدارة العراق، كونها حركت 140 ألف جندي، وصرفت مليارات الدولارات لكي تسقط نظام صدام حسين عام 2003، فلماذا لم تحصل مقابل هذه المهمة سوى الخذلان من القيادات الشيعية التي استلمت السلطة على طبق من ذهب، لكنها تخلت عن صداقتها مع الأميركيين وبدأت تعاديهم؟
يدرك الجميع في الوقت الحالي أن الضغط الذي تمارسه واشنطن على الحكومة العراقية الجديدة برئاسة علي الزيدي كبير جداً، وقد نجح هذا الضغط في إبعاد الفصائل المسلحة عن تسلم أي وزارة في حكومة الزيدي، حتى عصائب أهل الحق التي تعتبر الآن الأقل وطأة في نزاعها مع الأميركيين.
وهنا تأكيد على أن الدعم الأميركي الذي تم تقديمه للزيدي ليس مجانياً، فهناك نية لدى واشنطن استعادة دورها في العراق، وهي التي وقعت على عقود طويلة مؤخراً في مجال استثمار النفط، لذلك لا بد من سيطرة أمنية تمكنها من ممارسة نشاط شركاتها الاقتصادية بسلاسة، ودون تهديدات.
فكرة إنشاء وزارة للأمن الاتحادي لم تعد مجرد حديث إعلامي، فالأمر بات فكرة تُطرح بقوة، ولم تكن زيارة مدير وكالة الاستخبارات الأميركية ديفيد بتريوس إلى بغداد مجرد زيارة تاجر ورجل اقتصاد، كما يحاول البعض أن يصورها، فما علاقة التاجر بأن يلتقي رئيس مجلس القضاء ورئيس البرلمان وقادة الكتل السياسية، إذا لم يكن الأمر أدهى وأعمق؟
الفكرة القائمة حالياً هي الفصل بين الفصائل المسلحة والحشد الشعبي، ويبدأ التطبيق من خلال تغيير هيكلية الحشد وتحويله إلى مؤسسة حكومية مرتبطة بقيادات عسكرية وضباط ومراتب، وليست بشخصيات سياسية أو حزبية.
كما أن الولايات المتحدة تبدو محرجة من ملف قوات البيشمركة الكردية التي لم تتوحد كقوة واحدة، رغم ضغوط واشنطن والتحالف الدولي الذي يقدم مساعدات مالية وعسكرية شهرية لهذه القوات، فلجأت إلى طرح فكرة توحيد البيشمركة مع الحشد في وزارة واحدة.
يبدو الموضوع معقداً جداً، فالعقلية تختلف، والبنية الاجتماعية والفكرية هي الأخرى مختلفة، كما أن الفصائل المسلحة الرئيسية ما تزال ترفض تسليم سلاحها أو الخضوع لسيطرة جهة ما، وهنا نحن أمام تحدٍ كبير يواجه الحكومة في الفترة المقبلة، وربما هو التحدي الأخطر لحكومة الزيدي، الذي من المفترض أن يجد حلاً له قبل زيارته المقررة قريباً إلى العاصمة الأميركية.