25 أيار بين زمنين... عندما يتحول فجر التحرير إلى مرآة للشروخ اللبنانية
تتحرك الذاكرة اللبنانية في الخامس والعشرين من أيار بين مشهدين تفصل بينهما عقود، لكن يجمعهما وجع وطن يبحث عن هويته. في مثل هذا اليوم من عام 2000، عاش اللبنانيون لحظة استثنائية لم يألفها التاريخ العربي الحديث، وذلك عند انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي من الشريط الحدودي في الجنوب تحت وطأة ضربات المقاومة، دون قيد أو شرط، ودون اتفاقيات سلام أو مفاوضات مباشرة. وطوال سنوات ظل هذا التاريخ ساحة تلتقي فيها العواطف الوطنية، متجاوزة الانقسامات السياسية التقليدية، ومحط تفاعل إيجابي حتى من قِبل أولئك الذين اختلفوا جذرياً مع التوجهات السياسية والعقائدية لحزب الله.
بينما اليوم، وفي هذا المنعطف من عام 2026، يتجلى المشهد اللبناني بملامح مختلفة ومثقلة بالمرارة. العيد الذي صُنّف طويلاً كجامع وطني، تحول إلى منصة سنوية تكشف عمق التصدع الداخلي، ولم يعد السجال مقتصراً على قراءة التاريخ، بل امتد ليمس مفهوم الدولة، وشرعية السلاح، ومعنى السيادة، ومستقبل الكيان اللبناني برمته. بحيث تجاوزت القراءات والتعليقات الصادرة عن القوى والشخصيات المناهضة لنهج محور المقاومة في الآونة الأخيرة حدود إحياء الذكرى، لتتحول إلى محاكمة علنية للمسار العسكري والسياسي الذي سلكته البلاد منذ مطلع الألفية.
لم يعد النقاش يتناول مشروعية مقاومة الاحتلال في فترة التسعينيات، والتي حظيت بوفاق شبه جامع، بل تركز حول مآلات ما بعد التحرير. وينطلق هذا الفكر النقدي من مقاربة مفادها أن مشكلة لبنان وأزمته الحقيقية بدأت عندما لم تتصرف حركة المقاومة كقوة أنجزت مهمتها التاريخية وعادت إلى كنف الدولة، بل تحولت إلى قوة إقليمية تبني مشروعاً أمنياً وسياسياً يتخطى الحدود اللبنانية، مما كرس معادلة ازدواجية السلطة، وأصبحنا أمام دولة رسمية مكبلة وضعيفة، في مقابل قوة حزبية مسلحة تستأثر بقرار الحرب والسلم.
وفي الذكرى السادسة والعشرين للتحرير، يتردد في أذهان قسم كبير من اللبنانيين سؤال مركزي يعبر عن حجم الخيبة وما جناه اللبنانيون من هذا الإنجاز بعد كل هذه السنوات؟ وهو سؤال لا ينطلق من ترف فكري، بل ينبثق من واقع الانهيار الاقتصادي غير المسبوق، والعزلة العربية والدولية الخانقة، والتوترات المستمرة التي جعلت من الجنوب ساحة مفتوحة لحروب متكررة ومدمرة، وصولاً إلى المواجهات الحالية التي تركت قطاعاً واسعاً من القرى والبلدات ركاماً. وثمة قراءة واسعة النطاق تشير إلى أن البلاد انتقلت من كابوس الاحتلال الإسرائيلي المباشر إلى واقع الارتهان للمشروع الإيراني، حيث بات القرار الوطني رهيناً لحسابات إقليمية كبرى لا تراعي مصالح اللبنانيين الحيوية.
ويبرز التناقض المؤلم عند المقارنة بين صورتين، صورة الجنوب عام 2000 وهو يفيض بالفرح والبهجة الشعبية العارمة وعودة الأهالي إلى بيوتهم، وصور القرى الجنوبية اليوم وهي تعيش فصولاً متجددة من النزوح، والدمار، والخسائر البشرية والاقتصادية الهائلة. مما يدفع بالكثيرين إلى التساؤل بجرأة عن تحوّل الانتصار التاريخي إلى عبء مستدام، وعمّا إذا كان قد كُتب على لبنان أن يدفع أثماناً لا تنتهي لخوض حروب بالوكالة في صراع لا يملك فيه صوتاً أو قراراً.
والملفت في السجال الراهن هو ولادة نمط جديد من النقد يتجاوز الشعارات الأيديولوجية والسياسية التقليدية، ليمس مباشرة تفاصيل الحياة اليومية للمواطن. هناك قناعة متزايدة بين شرائح شعبية واسعة بأن المقياس الحقيقي للأمور لم يعد يُختصر بخطابات النصر والهزيمة، بل بالقدرة على العيش بكرامة، وضمان الاستقرار والأمان الاقتصادي. من هنا، يتردد صدى المقولة بأن التحرير الحقيقي اليوم يتجسد في إنقاذ الدولة من الانهيار المالي، وتحرير المواطن من براثن الفقر والعوز، وقلق الهجرة، والخوف الدائم من شبح الحرب.
ويتصل هذا النقد الداخلي بقراءة المعطيات والتحولات الإقليمية، حيث تُربط هذه الأزمات بحقيقة أن محور المقاومة يمر بمرحلة إعادة تموضع معقدة نتيجة سنوات من الحروب، والعقوبات، والتغيرات الدولية. وفي هذا الصدد، يتزايد الخوف من أن يظل لبنان يُستخدم كأداة للتفاوض أو كصندوق بريد لتبادل الرسائل الساخنة بين القوى الإقليمية والدولية كإيران وإسرائيل والولايات المتحدة، دون أي اعتبار لسيادته واستقلاله. بل إن بعض الأقلام ذهبت مؤخراً إلى مراجعة سردية النصر لعام 2000 نفسها، معتبرة أن الانسحاب الإسرائيلي جاء نتيجة حسابات كلفة سياسية وعسكرية داخلية في تل أبيب وليس فقط بفعل الضغط العسكري، وأن تحويل التحرير إلى ذكرى مقدّسة عطّل لسنوات أي نقاش عقلاني حول بناء الدولة.
ومع ذلك، فإن حدة هذا النقد لا تحجب الأزمة العميقة التي تعيشها جبهة المعارضة نفسها، والمتمثلة في غياب المشروع الوطني البديل. فرغم قدرة هذه القوى على تفكيك مشروع حزب الله ونقده، إلا أنها تبدو عاجزة حتى الآن عن تقديم رؤية إنقاذية موحدة ومقنعة قادرة على حشد الشارع وبناء مؤسسات حقيقية. وبسبب هذا العجز، يظل المشهد اللبناني معلقاً بين حدين: مشروع مقاومة يمتلك القوة الميدانية لكنه يثير الانقسام والمخاوف، ومشروع دولة يمتلك البلاغة السياسية لكنه يفتقد القدرة على فرض نفسه في أرض الواقع.
لم يعد الخامس والعشرون من أيار في عام 2026 مجرد صفحة في كتاب التاريخ أو مناسبة بروتوكولية. إنه اختبار نفسي وسياسي يعكس أزمة الهوية اللبنانية، فبين من يرى فيه محطة فخر واعتزاز صنعتها دماء الشهداء، ومن يراه بداية للمسار الذي قاد البلاد نحو العزلة والخراب، يقف المواطن اللبناني العادي حائراً وسط الركام، يتأرجح بين بريق ذاكرة التحرير، وواقع الدولة المنهكة التي تبدو اليوم عاجزة تماماً عن تحرير نفسها من أزماتها الداخلية وصراعات الآخرين على أرضها.