حل سرايا السلام ودمج الفصائل اختبار أول لقاعدة الدولة الواحدة
إعلان حل سرايا السلام ودمج عناصرها في قوات الدولة يقع في سياق أوسع من مجرد إعادة هيكلة تشكيل مسلح محسوب على التيار الصدري. هو اختبار عملي لفرضية ظلت معلقة منذ 2003: هل يمكن تحويل الفصائل من أجسام موازية إلى جزء عضوي من المؤسسة الأمنية، من دون أن تنفجر المعادلة السياسية برمتها؟
المنطق الذي يقف خلف هذه الخطوة مزدوج. داخلياً، تشكل الفصائل خارج الدولة عبئاً على سلطة بغداد في بسط الاحتكار المشروع للعنف. وجود أذرع مسلحة موازية يفك معنى الدولة ويمنح أطرافاً إقليمية ودولية ذريعة للتدخل أو للاستهداف المباشر. خارجياً، فإن استمرار عمل تشكيلات غير منضوية في هيكل الدولة يبقي العراق في دائرة الاستهداف الأميركي والإسرائيلي، خصوصاً في لحظة إقليمية يراد فيها فصل مسارات التصعيد عن الأراضي العراقية.
لكن قراءة التجربة العراقية السابقة تبعث على الحذر. محاولات دمج 'جيش المهدي' سابقاً، ولاحقاً دمج فصائل الحشد الشعبي في هيكل الدولة، لم تنجح في نزع السلاح الرمزي والمعنوي عن هذه التشكيلات. ظل الولاء المزدوج قائماً: ولاء إداري للراتب والتبعية الرسمية، وولاء سياسي وعقائدي للقيادة الأصلية.
لذلك فإن نجاح دمج سرايا السلام يتوقف على ما إذا كان الدمج شكلياً إدارياً، أم أنه سيصحبه تفكيك فعلي لبنية القيادة والولاء الموازي. التحدي الأكبر ليس عسكرياً بل سياسياً. دمج سرايا السلام يفتح الباب أمام مساءلة بقية الفصائل: لماذا هذا التشكيل دون غيره؟ وهل الدمج سيكون انتقائياً بحسب الموقف من الحكومة، أم سيصبح قاعدة عامة؟ أي تمييز في المعالجة سيعزز الانطباع بأن العملية ليست إصلاحاً مؤسساتياً، بل إعادة ترتيب توازنات نفوذ.
أما على صعيد الاستهداف الأميركي، فإن الخطوة تقلل الذريعة لا تزيلها. واشنطن لا تستهدف فصيلاً بعينه، بل تستهدف ما تراه بنية عابرة للحدود تعمل خارج سيطرة الدولة وتشكل امتداداً لمحور إقليمي. لذلك فإن دمج سرايا السلام قد يخفض مستوى التوتر مؤقتاً، لكنه لن يحل المشكلة ما لم يتبعه مسار أوسع يشمل الفصائل الأخرى، وينتهي بتوافق سياسي على حصرية السلاح.
خلاصة التحليل أن ما يجري هو خطوة رمزية في الاتجاه الصحيح، لكنها ستقاس بأثرها اللاحق. إذا توقفت عند سرايا السلام، فستقرأ كمناورة تكتيكية لتخفيف الضغط. أما إذا فتحت الباب لحل شامل لملف السلاح خارج الدولة، فستكون بداية تصحيح لبنية الدولة نفسها، وربما المدخل الوحيد لإخراج العراق من دائرة الاستهداف الدوري.