خروف يبتلع ثلاثة رواتب!

التونسي لا يملك الإرادة الكافية للتخلي عن 'علوش العيد' مهما ضاقت به الحال، فالأضحية تجاوزت كونها شعيرة دينية إلى مجاراة اجتماعية.

لا يستطيع التونسي، مهما كانت ظروفه المادية، أن يفلت من طقس عيد الأضحى. فاقتناء "علوش العيد" هاجس يطارد الصغير والكبير، الغني والفقير، أكبر من قدرتهم على تجاهله. وكأن المجتمع بأكمله أمام امتحان صعب وغير معلن عنوانه: "من يقتني العلوش الأكبر؟".

لكن بعد أيام قليلة من ذبحه، تنطفئ قصة "علوش العيد" سريعاً. ذلك الضيف الذي ملأ مواقع التواصل وشغل الناس لأسابيع، وأفرغ الجيوب، يزول بلا أثر. لا يستقر في البطون، ولا يبقى في الثلاجات، بل تلتهمه الأفواه المتعطشة للحوم في بضعة أيام ولياليها.

الأثر الوحيد الذي لا يزول بسرعة هو الأثر المالي، الذي يبقى يطارد ميزانية التونسي لأسابيع وربما لأشهر، حتى بعد أن تنطفئ آخر جمرة شواء.

الدخل الشهري للأسر متوسطة الحال في تونس يتراوح بين 1500 و1570 ديناراً في القطاع الرسمي، أي نحو 500 إلى 530 دولاراً، وأقل من النصف في القطاعات الخاصة. وحين يدخل المواطن سوق الأضاحي، يدرك أن الأسعار أكبر بكثير من ميزانيته. فالخروف الصغير يبدأ من 1200 دينار، قرابة 400 دولار، أما الكبير الذي يلفت الأنظار فقد يتجاوز 4000 دينار، أي 1350 دولاراً. وهكذا يتبخر راتب كامل، يليه ما ادخره لأشهر، وقد يضطر للتداين أحياناً لأجل أضحية تقف أياماً معدودة أمام الباب قبل أن تتحول إلى ذكرى وليمة عابرة.

رغم ذلك، لا يملك التونسي الإرادة الكافية للتخلي عن "علوش العيد" مهما ضاقت به الحال. فالأضحية تجاوزت كونها شعيرة دينية إلى مجاراة اجتماعية ليثبت كل شخص أنه فرد من ذلك "القطيع".

المفارقة أن الدافع غالباً ليس الحاجة، بل اللهفة. لهفة العيد، ولهفة المنافسة، ولهفة تقليد الجار والقريب والبعيد. إذا اشترى الجار خروفاً كبيراً، فلا بد أن يكون خروفك أكبر. وإذا نُشرت صورة أضحية على وسائل التواصل، تبدأ حمى نشر ما هو "أفخم"منها.

لم يعد عيد الأضحى شعيرة دينية، بل أصبح مجرد استعراض: الجيران يتهامسون، والأطفال يتحلقون، وصاحب الخروف يلتقط الصور بجانبه بزهو من اشترى سيارة فاخرة، لا كائناً يمضغ التبن في أيامه الأخيرة.

يأتي يوم النحر. فتُذبح الأضاحي، وتُشعل مواقد الشواء بلا توقف. وبعد أيام قليلة يفرض الواقع نفسه: الثلاجة خاوية، والجيب مخروم، والراتب المقبل لا يزال بعيداً.

بعد أسبوع يكتشف المواطن أن الخروف الذي التهم أكثر من ثلاثة رواتب لم يبقِ منه شيئاً. اللحم التُهم سريعاً، والشحم تبخر من القدور، والكبد والأضلاع اختفت آثارها كقطرة ماء على صخرٍ ساخن. لم يبقَ سوى الجلد… والقرون.

يجلس التونسيون بعد نهاية كل عيد يحسبون خسائرهم كصاحب شركة أعلنت إفلاسها. وتبدأ مرحلة التقشف القسري: تأجيل للمشتريات، وتقليص للمصاريف، وبحث عن حلول مؤقتة لتلبية نفقات ما تبقى من الشهر.

يتكرر المشهد كل عام. فلا البطون تشبع ولا الدروس تُستوعب، وكأن "علوش العيد" يمرّ فقط عبر بطون التونسيين من دون أن يلمس عقولهم.