هايدي الشيرواني.. من الأصغر في تاريخ أوركسترا العراق إلى قمّته
بغداد - في دهاليزِ مدرسة الموسيقى والباليه ببغداد، بدأت حكايةٌ وُلدت من رحمِ الشغف، حين اعتلت هايدي الشيرواني خشبةَ المسرح عام 2009، طفلةً غضةً لم تتجاوز الحادية عشرة من عمرها، لتصبحَ حينها أصغرَ عازفةٍ في تاريخ الفرقة السمفونية الوطنية العراقية. لم تكن تلك البداية مجرد محطة عابرة، بل إرهاصاً لمسيرةٍ فنيةٍ كُتبت فصولها بمدادِ التفرد والالتزام.
وبعد أكثر من عقد ونصف من العطاء، لم تعد هايدي مجرد عازفة، بل باتت رمزاً استثنائياً يجمع بين دقة المشرط الطبي وعذوبة أوتار الكمان.
بداية مبكرة: من "الفن للسلام" إلى خشبة المسرح
بدأت حكاية هايدي بقرار عائلي زرع في داخلها حب الكمان الذي حُرم منه والدها في صغره. وبفضل مبادرة المايسترو كريم وصفي، مدير مركز "الفن للسلام"، تم استقطاب هايدي كواحدة من أصغر المتدربين في الفرقة، حيث تم "حقن" المواهب الشابة ضمن التشكيلة الاحترافية. منذ عام 2007، أثبتت هايدي أن العمر مجرد رقم أمام الموهبة، حين تولّت دور "العازف الأول" لأوركسترا الشباب، لتبدأ رحلة احترافية لم تنقطع فصولها.
صعودٌ تاريخي: الأصغر تصبح الأولى
لم تكن مسيرة الطفلة المعجزة مفروشة بالورود، بل كانت رحلة كفاح أكاديمي وفني. وفي عام 2016، وهي في سن السابعة عشرة، حققت هايدي أولى محطات التميز كعازفة صولو (منفردة) برفقة الفرقة السمفونية، حيث أدت كونشرتو "ماكس بروخ" كاملاً.
تلك البداية المبكرة توجت في أكتوبر 2024 بحدث تاريخي، حين أصبحت أول امرأة عراقية تتولى منصب "العازف الأول للكمان" في الفرقة السمفونية الوطنية العراقية منذ تأسيسها، لتُغلِق بذلك دائرة بدأت عندما كانت أصغر عازفة في صفوف الفرقة.
الطب والموسيقى كوجهين لعملة واحدة
لم يمنعها التزامها الفني من التفوق الأكاديمي؛ ففي عام 2022، تخرجت الدكتورة هايدي الشيرواني في كلية طب الكندي بجامعة بغداد، لتجسد نموذجا للمرأة العراقية الطموحة. إن قدرتها على التوفيق بين دوام المستشفيات وبروفات الأوركسترا تنبع من انضباط صارم نشأ لديها منذ صغرها كأصغر عازفة في الأوركسترا، حيث تعلمت أن الإبداع لا يكتمل إلا بالانضباط والالتزام بالقواعد.
فصلٌ جديد في "بيت العود"
إيماناً منها بأن الفن رسالة متصلة، يفتخر "بيت العود العربي – بغداد" اليوم بانضمام الدكتورة هايدي الشيرواني إلى كوادره كأستاذة لآلة الكمان. إن انضمامها يعني نقل تجربة فنية بدأت منذ كانت في الحادية عشرة من عمرها، إلى جيل جديد من الموسيقيين.
الدكتورة هايدي، التي أضافت إلى شغف الموسيقى موهبة الرسم والبورتريه، لا تزال هي تلك الفتاة الموهوبة التي حفرت اسمها في ذاكرة الموسيقى العراقية، لكنها اليوم تقف كقامة أكاديمية تفتح آفاقاً جديدة أمام الأجيال الصاعدة، مؤكدة أن من بدأ كأصغر عازفة، بإمكانه أن يصل ليكون الأستاذة والقدوة.