الزيدي أمام اختبار تفكيك الميليشيات
بغداد - يقود رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي جهودا لحسم ملف حصر السلاح بيد الدولة وتفكيك الميليشيات الشيعية الموالية لإيران، فيما كشفت مصادر مطلعة عن خطة تتضمن تخصيص 35 ألف فرصة عمل لعناصر الفصائل التي تقبل تسليم سلاحها، لكن هذه المبادرة تواجه عقبات مالية وسياسية وأمنية، في وقت ترفض فيه عدة جماعات مسلحة وقوى داخل الإطار التنسيقي التخلي عن إحدى أهم أدوات نفوذها.
وكشف مصادر مطلعة أن الزيدي عرض على قادة التنسيقي تصورا متكاملا يتضمن استيعاب عناصر الفصائل الراغبة في التخلي عن السلاح ضمن المؤسسات العسكرية والأمنية بهدف توفير بديل اقتصادي ومهني للمقاتلين، بما يقلل احتمالات رفض عملية الدمج.
كما حددت الخطة مهلة زمنية لا تتجاوز ثلاثة أشهر أمام الميليشيات لاتخاذ قرارها النهائي بشأن تسليم السلاح والانخراط في مؤسسات الدولة.
وتستند الحكومة في هذه المساعي إلى تطورات سياسية مهمة، أبرزها قرار مقتدى الصدر زعيم التيار الوطني الشيعي، الصدري سابقا، فك ارتباط "سرايا السلام" بحزبه وإلحاقها بالدولة، وهي خطوة اعتبرها مراقبون محاولة لتوفير غطاء شيعي واسع لمشروع حصر السلاح. كما أعلنت فصائل أخرى، بينها "عصائب أهل الحق" و"كتائب الإمام علي"، إجراءات تتعلق بجرد الأسلحة وتنظيم العلاقة مع القائد العام للقوات المسلحة.
ويرى متابعون للشأن العراقي أن هذه الخطوات تمنح الزيدي فرصة نادرة لإحداث اختراق في ملف ظل لسنوات إحدى أكثر القضايا حساسية في المشهد العراقي. وتأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه بغداد ضغوطا أميركية متزايدة لإظهار تقدم ملموس في مسألة لجم السلاح المنفلت، حيث تنظر واشنطن إلى استمرار وجود جماعات مسلحة خارج سيطرة الدولة على أنه تهديد لاستقرار البلد ولمصالحها الأمنية في المنطقة.
وفي هذا السياق، تشير مصادر إلى أن الزيدي طرح على الولايات المتحدة مقاربة تقوم على الربط بين الإصلاح الأمني والتنمية الاقتصادية، عبر تشجيع استثمارات ومشاريع تنفذها شركات أميركية داخل العراق مقابل دعم جهود الحكومة في حصر السلاح بيد الدولة.
ويعكس هذا الطرح محاولة عراقية لتحقيق توازن دقيق بين متطلبات الشريك الأميركي والحساسيات الداخلية المرتبطة بالعلاقة مع الفصائل المسلحة وإيران، إذ تدرك بغداد أن أي مواجهة مباشرة قد تؤدي إلى تداعيات أمنية وسياسية يصعب احتواؤها.
ورغم المؤشرات الإيجابية، يواجه مشروع الزيدي تحديات كبيرة، إذ لا تزال بعض الميليشيات تنظر إلى سلاحها باعتباره جزءا من معادلة الردع الإقليمية المرتبطة بطهران، وليس مجرد ملف داخلي يمكن حسمه بقرارات حكومية.
كما تمثل الكلفة المالية لعملية الدمج تحديا إضافيا في ظل الضغوط التي تواجهها الموازنة العراقية، إذ يتطلب استيعاب عشرات الآلاف من العناصر توفير رواتب وتجهيزات وتدريب ومخصصات تشغيلية كبيرة، وهو ما دفع الحكومة إلى بحث خيارات تمويل متعددة من بينها الاقتراض الداخلي.
كما تبرز عقبة تتعلق بآليات تدقيق المنتسبين وسجلاتهم الأمنية والقضائية، وضمان عدم انتقال شبكات النفوذ الحزبي أو الفصائلي إلى داخل المؤسسات العسكرية الرسمية، وهو ما يتطلب رقابة وإجراءات طويلة الأمد.
ويبدو أن الحكومة العراقية تراهن على أن الجمع بين الحوافز الاقتصادية والغطاء السياسي الشيعي والدعم الدولي قد يتيح فرصة تاريخية لإعادة رسم العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة. لكن نجاح هذه المقاربة سيعتمد في النهاية على مدى استعداد القوى المسلحة للتخلي عن نفوذ راكمته على مدى سنوات، وعلى قدرة بغداد على إدارة التوازنات المعقدة بين واشنطن وطهران دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية.