مصر تقطع أولى خطوات خصخصة الشركات الحكومية بحثا عن تمويلات
القاهرة - تسعى مصر إلى إدارج نحو خمس شركات مملوكة للدولة في سوق الأوراق المالية قبل نهاية العام الحالي، على ما كشفه رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي اليوم الخميس، فيما تعكس هذه الخطوة مساعي القاهرة لتوفير السيولة وجذب الاستثمارات الخاصة، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات معقدة تشمل ارتفاع الدين العام وتكاليف خدمته، فضلا عن الضغوط التضخمية ونقص النقد الأجنبي.
وتسعى القاهرة، إلى بيع الشركات المملوكة للدولة عبر صفقات مباشرة أو إدراجها في البورصة بهدف تعزيز دور القطاع الخاص في الاقتصاد، تماشيا مع الإصلاحات الأوسع نطاقا ضمن برنامج مع صندوق النقد الدولي قيمته ثمانية مليارات دولار.
ولم يذكر مدبولي أيا من الشركات التي يجري النظر في إدراجها، مضيفا في مؤتمر صحفي أن الحكومة تعتزم أيضا تحويل الدعم العيني إلى دعم نقدي خلال السنة المالية المقبلة، وأوضح أن الهدف ليس تقليل القيمة النقدية بل ضمان وصوله إلى مستحقيه.
ويثير هذا التوجه مخاوف اجتماعية تتعلق بتأثيرات أي تغييرات على القدرة الشرائية لملايين المصريين الذين يعتمدون على السلع المدعومة.
ويأتي الإعلان في إطار التزامات مصر أمام صندوق النقد الدولي، الذي يشجع على تقليص حضور الدولة في الأنشطة الاقتصادية وتعزيز دور القطاع الخاص، باعتبار ذلك مدخلا لتحسين كفاءة الاقتصاد وزيادة تنافسيته وجذب رؤوس الأموال الأجنبية.
وتراهن الحكومة على أن يؤدي طرح شركات جديدة في البورصة إلى توفير موارد مالية مباشرة للخزانة العامة، إلى جانب تنشيط سوق المال المصري واستقطاب مستثمرين محليين وأجانب. كما ينسجم هذا التوجه مع وثيقة "سياسة ملكية الدولة" التي حددت قطاعات تعتزم الدولة تقليص وجودها فيها أو التخارج منها جزئيا.
غير أن هذه الخطوات تعكس أيضا حجم الضغوط المالية التي تواجهها القاهرة، إذ تحتاج الدولة إلى موارد مستدامة لتغطية التزاماتها التمويلية الضخمة، خاصة مع استمرار ارتفاع أعباء خدمة الدين وتزايد الحاجة إلى العملة الصعبة لتمويل الواردات والمشروعات الكبرى.
ويرى مراقبون أن نجاح برنامج الطروحات سيعتمد على قدرة الحكومة على جذب استثمارات حقيقية وليس مجرد بيع أصول لتوفير سيولة مؤقتة، فضلا عن ضمان بيئة استثمارية أكثر جاذبية تسمح للقطاع الخاص بلعب دور أكبر في قيادة النمو الاقتصادي.
ورغم نجاح القاهرة في الحصول على حزم تمويل ودعم من مؤسسات دولية ودول خليجية، فإن الحاجة إلى السيولة لا تزال قائمة، وهو ما يفسر استمرار التوجه نحو بيع حصص في شركات وأصول مملوكة للدولة أو طرحها في البورصة.
وتنظر الحكومة إلى برنامج الاصلاحات باعتباره وسيلة لتحقيق أكثر من هدف في الوقت نفسه؛ فهو يوفر موارد مالية مباشرة، ويساعد على جذب استثمارات أجنبية، كما ينسجم مع تعهدات مصر لصندوق النقد الدولي بشأن توسيع دور القطاع الخاص وتقليص هيمنة الدولة على النشاط الاقتصادي.
لكن منتقدين يرون أن الاعتماد المتكرر على بيع الأصول يعكس صعوبة معالجة الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد المصري، معتبرين أن الطروحات قد توفر سيولة مؤقتة لكنها لا تمثل حلا جذريا لأزمة تتعلق بضعف الإنتاجية وارتفاع فاتورة الاستيراد واتساع الفجوة التمويلية.
كما يثير تسارع عمليات التخارج الحكومي تساؤلات بشأن طبيعة الأصول المعروضة وقيمتها الحقيقية، خاصة في ظل مخاوف من بيع بعض الشركات الاستراتيجية تحت ضغط الحاجة الملحة إلى التمويل، وهو ما تنفيه الحكومة التي تؤكد أنها تستهدف تعظيم الاستفادة من الأصول وليس التفريط فيها.
ويأتي إعلان التحول المرتقب من الدعم العيني إلى الدعم النقدي في السياق نفسه، إذ تسعى الدولة إلى تقليص أعباء الإنفاق وتحسين كفاءة توجيه الدعم لمستحقيه، ضمن حزمة إصلاحات مالية تهدف إلى احتواء العجز وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.
وبذلك تبدو الإصلاحات الحكومية جزءا من استراتيجية أوسع تتبعها القاهرة لإدارة أزمة مالية مركبة، تقوم على مزيج من بيع الأصول وجذب الاستثمارات والحصول على التمويل الخارجي وإعادة هيكلة الإنفاق العام، في محاولة للحفاظ على التوازنات الاقتصادية وتجنب العودة إلى أزمات أكثر حدة في سوق النقد والتمويل.