'وارث الأسرار' يُعالج قضية إنسانية حسّاسة بأسلوب راق
تنقسم الأفلام السينمائية في جوهرها، إلى صنفين: أفلام تُهدهد المتفرج تشبه الأشرطة التلفزيونية ومحسوبة على السينما وأخرى سينمائية خام تُقلقه. غير أن السؤال الأكثر إلحاحًا هو: هل تملك السينما المغربية اليوم الجرأة الكافية لتختار القلق على الهدهدة؟ وهل تستطيع أن تفعل ذلك دون أن تتحول إلى خطاب أيديولوجي يُبشّر عوض أن يُبدع؟ وهل يكفي أن تمتلك فكرة جريئة كي تصنع فيلمًا جريئًا، أم أن الجرأة الحقيقية تكمن في الأداة السينمائية ذاتها، في طريقة الحكي والإيقاع والصورة؟ "وارث الأسرار" لمحمد نظيف، الذي عرض ضمن المسابقة الرسمية للدورة السادسة والعشرين للمهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة، يُدلي بإجابته على هذه الأسئلة في آنٍ واحد وهي إجابة تحتضن التردد والشجاعة معًا، وتجعل من الفيلم تجربة تستحق التوقف عندها طويلًا، بكل ما فيها من إمضاءات وظلال.
ويقف الفيلم ثالث المحطات الروائية الطويلة لنظيف بعد "الأندلس مون أمور" (2011) و"نساء الجناح ج" (2019)، وهو مستوحى من رواية "انعتاق الرغبة" للكاتبة والشاعرة فاتحة مرشد في منطقة درامية بالغة الحساسية: تلك المنطقة الرمادية التي يسكنها من تعجز التصنيفات الجاهزة عن احتوائهم، أناس يحملون هوياتهم الحقيقية سرًا ويُورّثون أسرارهم جرحًا للأجيال التالية، جرحًا صامتًا يتشكل ببطء ويتسع دون أن يُعلن عن نفسه. يقترب الفيلم من هذا العالم عبر باب الألم وحده وهو أنبل الأبواب وأكثرها إنسانية وأبعدها عن الاستعراض الأيديولوجي الرخيص. إنتاج مشترك بين المغرب وكندا وفرنسا، مثّل عرضه الأول في مهرجان "سينمانيا" بمونتريال بوابةً لحضور دولي لافت يُثبت أن الحكاية الإنسانية الصادقة تتجاوز حدود جغرافيتها حين تُحكى بأمانة وعمق.
وتبرز فكرة السيناريو الذي كتبه نظيف بالتعاون مع صاحبة الرواية فاتحة مرشد والسيناريست أوليفيي كوسماك على بنية تقشيرية تدريجية، تتناوب فيها أزمنة ثلاثة في بناء صبور ومحكم يتيح للمتفرج أن يكتشف طبقات السر العائلي واحدة تلو الأخرى، كمن يُقلّب صفحات مخطوطة قديمة يتضح معناها كلما تقدّم في القراءة. يحمل فريد (يونس بواب في النضج، ومصعب ناصر في الطفولة، وياسر كزوز في المراهقة) تفسيرًا وحيدًا لغياب أبيه طوال سنوات، في خيانة عاطفية أمضى بسببها عمره يحمل غضبًا هادئًا وجرحًا يتظاهر بأنه اندمل، حتى تصله من مونتريال رسالة تُعيد رسم الخريطة كاملة، وتضعه أمام حقيقة أبيه الأعمق والأكثر تعقيدًا، فيرحل إلى كندا بحثًا عمّا يكبّله هو نفسه من الداخل، في رحلة تبدأ وجودية وتنتهي إنسانية. تحمل هذه البنية الإرث الأدبي للرواية الأصل في عنايتها بالتراكم ومنطق الكشف والتوازيات الصامتة بين الأجيال، وهي توازيات تشتغل بذكاء على فكرة أن الأسرار المكبوتة لا تموت بموت أصحابها، لانها تتسلل إلى أرواح من يأتون بعدهم وتُشكّل مصائرهم دون أن يدروا. غير أن هذا الإرث الأدبي ذاته يجلب للفيلم إيقاعًا ثقيلًا في مواضع عدة، كأن الكتابة آثرت الأمانة للنص الأدبي على حساب خصوصية اللغة السينمائية الأكثر اقتصادًا، تلك اللغة التي تعرف أن الصمت المُحكم أبلغ أحيانًا من عشرين مشهدًا استرجاعيًا.
وتكشف الرؤية البصرية عن مخرج أكثر ثقةً بصمته وأكثر وعيًا بأدواته؛ يختار نظيف اللقطة القريبة والمتوسطة مسرحًا أثيرًا له، ويُراهن على الوجه البشري خريطةً للداخل، مُدركًا أن التعبير الحقيقي عن الصراع الداخلي لا يحتاج إلى موسيقى تصريحية أو حوار تفسيري، وإنما إلى كاميرا تجلس قريبًا وتنتظر. أسلوب يُقدّم نفسه بتحفّظ مدروس يناسب طبيعة الحكاية الباطنية، أسلوب يثق المتفرج وقدرته على أن يملأ الفراغات بتجربته الخاصة. وتؤدي مواقع التصوير في مونتريال دور الحجة البصرية الصامتة: تقف المدينة الكندية بهندستها الباردة ومبانيها الزجاجية المُحكمة في مواجهة الدفء المسامي المغربي وأزقته المفتوحة على السماء، لترسم الهوّة الوجودية التي يعبرها فريد في رحلته من تفسير مريح إلى حقيقة مقلقة. تخدم الإضاءة الخافتة وصمت اللحظات الحاسمة والموسيقى الهامسة طابعًا تأمليًا يتسرب إلى المتفرج بهدوء لا يستأذن ويترك أثرًا يمتد بعد انتهاء العرض غير أن الفيلم الذي يهمس يحتاج إلى انتقاء لحظاته بدقة بالغة وإلا تحوّل الهمس إلى تمطيط، وتحوّل التأمل إلى تثاقل.
ويحمل يونس بواب الفيلم بأداء ينبني على الاحتباس الانفعالي أكثر من الانفجار، وهو الخيار الأنسب والأصدق لشخصية تعيش حياتها بالتعويق لا بالمواجهة، شخصية أمضت سنوات تُدير ظهرها لأسئلة كانت ستُغيّر حياتها لو أجابت عنها. في هذا الاحتباس حكمة أدائية نادرة: أن تُقنع المتفرج بأن ما لا يُقال أثقل مما يُقال. ينجح التقاطع بين الثلاثة الذين يُجسّدون فريد عبر أطوار العمر في رسم تواصل درامي مقنع، كأن الشخصية الواحدة انقسمت على ذاتها عبر الزمن وحافظت على خيط روحي واحد رغم تباين الوجوه والأعمار. تُضيف نادية كوندا، بحضورها الذي يمتلك ثقله الخاص وكثافته الصامتة، طبقة اجتماعية ونسائية تستحق بمفردها توقفًا نقديًا معمقًا، إذ تُجسّد بهدوء صارم ذلك النموذج الأنثوي الذي يعرف أكثر مما يُعلن ويصمت أكثر مما يشرح. بينما يُعبّر الطاقم في مجمله عن التنوع الثقافي للإنتاج المشترك دون الوقوع في فخ الاستعراض المجاني وهو توازن أصعب مما يبدو، كثيرًا ما تعثّرت فيه أفلام مشتركة أكثر إمكانات وأقل وعيًا.
ويمتد الفيلم 109 دقائق والمشكلة في كيفية الاشتغال بهذا الزمن لا في الزمن ذاته. تُطيل بعض الاسترجاعات أكثر مما تُعمّق، وتحتفظ بعض المشاهد التأملية بجمالها الشكلي بينما تُقصّر في دفع الحكاية إلى الأمام أو إضافة طبقة جديدة إلى شخصياتها، في حين يلجأ الفيلم في لحظات إلى الاتساع ضمانًا للعمق وهي معادلة تخذل صاحبها في السينما أكثر مما تُكافئه، إذ العمق الحقيقي يسكن في الاختيار الدقيق لا في الامتداد المديد. جلسة مونتاج أكثر جرأة وأقل رحمة بالمشاهد الجميلة التي تُبطئ الإيقاع كانت ستُعيد توزيع الطاقة الدرامية وتمنح المتفرج مساحة للتنفس من داخل البنية، بدل أن يجد نفسه أحيانًا يُقاوم الإحساس بأن الفيلم يكرر ما قاله.
ويبقى "وارث الأسرار" فيلمًا ذا نبل حقيقي ونية فنية صافية، وخطوة نوعية في مسيرة مخرج يجد نفسه تدريجيًا في المسافة الخصبة بين الأدب والسينما، ويُحكم قبضته على هذه المسافة بثقة تتصاعد من فيلم إلى آخر. تتناول فيه السينما المغربية مناطق ظلّت طويلًا حكرًا على المسكوت عنه، وتفعل ذلك بحساسية تحمي الإنسان أكثر مما تُدين المجتمع، وتدعو إلى التأمل أكثر مما تدعو إلى الحكم. يهمس الفيلم ويعرف ذلك تمامًا، ويُراهن على أن الهمس يبقى أطول في الذاكرة من الصراخ وفي غالب الأحيان، يكون مُحقًا. وحين يكون الهمس صادقًا وخارجًا من مكان إنساني عميق، فإنه يصل إلى المتفرج أينما كان، ويُقيم فيه أطول مما يظن.
وبرز محمد نظيف كمخرج وممثل ومؤلف مغربي، جمع بين فنون التمثيل والتأليف والإخراج في مسيرة فنية متواصلة. شارك في التمثيل في خمسة أعمال، منها فيلم "آخر اختيار" عام 2024، وفيلم "نساء الجناح ج" عام 2019، وفيلم "Apatrid" عام 2018، إلى جانب دوره كمدرس في فيلم "الأندلس مونامور!" عام 2012، ومشاركته في مسلسل "رحيمو" عام 2007. وقام بتأليف وإخراج فيلم الأندلس مونامور! عام 2012 و"نساء الجناح ج" عام 2019. و"وارث الاسرار".