العراق ينفي دفع رسوم لإيران للسماح بعبور نفطه عبر هرمز
بغداد - أكدت وزارة النفط العراقية، اليوم السبت، التزامها بالضوابط والقواعد الدولية الناظمة لعمليات تصدير الخام نافية دفع مبالغ مالية لإيران للعبور عبر مضيق هرمز، وذلك ردا على تقارير تحدثت عن دفع بغداد مبالغ مالية للجانب الايراني لضمان مرور شحنات من النفط، بينما لا يزال الحديث عن فرض طهران رسوم عبور تثير جدلا واسعا ورفضاً من دول الخليج والولايات المتحدة.
وذكرت الوزارة في بيان صحفي أن الأنباء التي تحدثت عن قيام القوات الأميركية بإيقاف ناقلة تحمل النفط الخام العراقي قرب مضيق هرمز بسبب تسديد أموال لإيران مقابل المرور لا أساس لها من الصحة.
وأضاف البيان أن وزارة النفط وشركة تسويق النفط العراقية (سومو)، الذراع المسؤولة عن تسويق الصادرات النفطية، تعملان وفق جميع القوانين والأنظمة الدولية المعمول بها في تصدير النفط الخام والمنتجات النفطية.
وكانت شركة تسويق النفط العراقية (سومو) قد أعلنت الشهر الماضي أن إجمالي صادرات العراق النفطية خلال شهر نيسان/أبريل تجاوز 9 ملايين و889 ألف برميل يومياً، توزعت بواقع 4 ملايين و587 ألف برميل من الموانئ الجنوبية، و4 ملايين و957 ألف برميل من نفط كركوك المصدر عبر ميناء جيهان التركي، فضلاً عن 339 ألف برميل من نفط حقول إقليم كردستان عبر المسار نفسه.
وفي موازاة ذلك، تمضي الحكومة العراقية في تنفيذ خطة تستهدف رفع الطاقات التصديرية للنفط الخام عبر الأراضي التركية والسورية على مراحل، لتصل إلى نحو مليون و190 ألف برميل يومياً.
وأثار طرح إيراني يقضي بفرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز جدلاً واسعاً في الأوساط الدولية، وسط تحذيرات من أن مثل هذه الخطوة قد تمثل سابقة غير مسبوقة في أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم.
وخلال الحرب الي اندلعت في فبراير/شباط الماضي وفي فترة الهدنة بدأت طهران الترويج لفكرة استيفاء رسوم أو مقابل خدمات من السفن المارة عبر المضيق، مبررة ذلك بالحاجة إلى تغطية نفقات الأمن البحري وحماية البيئة وتنظيم حركة الملاحة. كما أعلنت إنشاء هيئة خاصة للإشراف على هذا الملف تحت مسمى "هيئة مضيق الخليج الفارسي"، في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشراً على سعي إيران إلى إضفاء طابع مؤسسي على المشروع.
لكن المبادرة الإيرانية واجهت اعتراضات واسعة من الولايات المتحدة ودول غربية عدة، إلى جانب شركات شحن عالمية كبرى، التي شددت على أن مضيق هرمز يعد ممراً مائياً دولياً لا يخضع لسيادة دولة واحدة، وأن حرية العبور فيه مكفولة بموجب القوانين والأعراف الدولية المنظمة للملاحة البحرية.
وتستند المواقف الرافضة إلى مبدأ "المرور العابر" المنصوص عليه في قانون البحار، والذي يضمن للسفن التجارية حق التنقل عبر المضائق الدولية دون فرض رسوم لمجرد العبور، باستثناء المقابل المرتبط بخدمات محددة يتم تقديمها فعلياً للسفن.
كما انضمت سلطنة عمان، التي تتشارك مع إيران الإشراف الجغرافي على المضيق، إلى المعترضين على أي ترتيبات من شأنها تقييد حرية الملاحة أو فرض أعباء إضافية على حركة التجارة الدولية، مؤكدة ضرورة الالتزام بالقواعد القانونية الدولية الناظمة للممرات البحرية.
وفي السياق نفسه، أعلنت شركات نقل بحري عالمية رفضها الامتثال لأي رسوم جديدة، مؤكدة استمرار عبور سفنها وفق القواعد الدولية المعمول بها. ويرى خبراء أن المخاوف لا تتعلق بمضيق هرمز وحده، بل بإمكانية تحول هذه الخطوة إلى نموذج قد تلجأ إليه دول أخرى لفرض رسوم على الممرات البحرية الحيوية، الأمر الذي قد يرفع تكاليف النقل والطاقة ويؤثر على انسياب التجارة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية.
ويضع اغلاق هرمز الاقتصاد العراقي أمام تحديات معقدة، نظراً للاعتماد الكبير للبلاد على هذا الممر البحري الحيوي في تصدير النفط وتأمين جزء مهم من احتياجاتها الاقتصادية والطاقة.
ويُعد العراق من أكثر الدول تأثراً بأي اضطراب يطال حركة الملاحة في المضيق، إذ تمر غالبية صادراته النفطية عبر موانئ البصرة المطلة على الخليج العربي قبل وصولها إلى الأسواق العالمية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن العائدات النفطية تمثل المصدر الرئيسي لإيرادات الدولة وتمول الجزء الأكبر من الإنفاق الحكومي.
ويحذر خبراء اقتصاديون من أن اغلاق المضيق أدى إلى تراجع الصادرات النفطية العراقية، ما انعكس مباشرة على الموارد المالية للحكومة ويضع الموازنة العامة تحت ضغوط متزايدة. كما قد تجد السلطات نفسها أمام تحديات تتعلق بتوفير السيولة اللازمة لتمويل الرواتب والنفقات التشغيلية والمشاريع الخدمية.
ولا تقتصر التداعيات المحتملة على قطاع النفط فقط، بل تمتد إلى التجارة الخارجية أيضاً. فالعراق يعتمد على استيراد نسبة كبيرة من السلع الغذائية والمواد الصناعية والاستهلاكية، الأمر الذي يجعل أي اضطراب في حركة النقل البحري سبباً مباشراً لارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وهو ما قد يقود إلى موجة جديدة من ارتفاع الأسعار داخل الأسواق المحلية.
وفي قطاع الطاقة، تزداد المخاوف من تأثير أي تصعيد إقليمي على تدفقات الغاز والكهرباء المستوردة من إيران، بما قد يفاقم أزمة الطاقة ويزيد الضغوط على منظومة الكهرباء، خاصة خلال أشهر الصيف التي تشهد ارتفاعاً كبيراً في معدلات الاستهلاك.
كما أن استمرار التوترات الأمنية في الخليج قد يدفع بعض الشركات الأجنبية إلى إعادة النظر في خططها الاستثمارية داخل العراق، خصوصاً في قطاعات النفط والطاقة والبنية التحتية التي تتطلب بيئة مستقرة وضمانات طويلة الأمد.
ورغم امتلاك العراق منفذاً بديلاً لتصدير جزء من نفطه عبر خط أنابيب كركوك - جيهان التركي، إضافة للترويج لموانئ على البحرين الأحمر والمتوسط فإن هذا المسارات لا تملك القدرة الكافية لتعويض كامل الصادرات الجنوبية، ما يجعل بغداد عرضة بصورة كبيرة لتداعيات أي اضطراب طويل الأمد في مضيق هرمز.