نفيُ طباعة العملة لا يُبدد مخاوف أزمة الرواتب في العراق

البنك المركزي العراقي يؤكد أن مهمته الأساسية تتمثل في إدارة السياسة النقدية والحفاظ على الاستقرار السعري وسلامة النظام المالي، وليس تمويل النفقات العامة.

بغداد – نفى البنك المركزي العراقي ما تردد من أنباء بشأن طباعة العملة لتمويل صرف الرواتب، في وقت لا تزال فيه مخاوف الموظفين قائمة من تفاقم أزمة السيولة الناتجة عن تراجع الإيرادات النفطية، وما قد يترتب عليها من عجز محتمل في إيفاء الحكومة بالتزاماتها المالية، وفي مقدمتها رواتب الموظفين ومعاشات المتقاعدين.

وشدد البنك المركزي في بيان اليوم الأحد على "وجود فرق جوهري بين خصم حوالات الخزينة وطباعة العملة"، موضحاً أن "الأولى تمثل أداة سيولة مؤقتة مقابل دين حكومي يُسترد عند الاستحقاق، في حين أن الثانية تعني ضخ نقود جديدة دون غطاء اقتصادي، ما يؤدي إلى تضخم مباشر وتآكل في قيمة الدينار، وهو ما يحظره القانون العراقي".

وأكد المصرف أن مهمته الأساسية تتمثل في إدارة السياسة النقدية والحفاظ على الاستقرار السعري وسلامة النظام المالي، وليس تمويل النفقات العامة بشكل دائم، مشيراً إلى أن "استخدام أدوات مالية استثنائية يتم بشكل منضبط ووفق ضوابط قانونية صارمة".

لكن هذه التوضيحات، ورغم طابعها الفني، لم تنجح في تهدئة المخاوف المرتبطة بأزمة السيولة، خصوصاً مع اعتماد العراق على النفط كمصدر شبه وحيد للإيرادات، حيث تشير تقديرات إلى أن عائداته تمثل نحو 90 إلى 95 بالمئة من موازنة الدولة.

وبحسب تقارير اقتصادية، فإن فاتورة الرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعية تتطلب نحو 9 تريليونات دينار شهرياً (نحو 6.8 مليارات دولار)، ما يضع ضغطاً هائلاً على المالية العامة في ظل أي تراجع في الصادرات أو الأسعار.

وفي هذا السياق، أفادت تقديرات خبراء بأن صادرات النفط العراقية تراجعت إلى ما دون 800 ألف برميل يومياً، مع خسائر يومية قد تصل إلى 128 مليون دولار، وسط اضطرابات في أسواق الشحن والتأمين، وتداعيات مرتبطة بتوترات إقليمية انعكست على الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات النفطية العالمية.

ويحذر مختصون من أن استمرار الضغط على الإيرادات قد يدفع الحكومة إلى استنزاف احتياطاتها الأجنبية أو توسيع أدوات التمويل قصيرة الأجل، وهو ما قد ينعكس على الاستقرار النقدي إذا طال أمد الأزمة دون إصلاحات هيكلية في الاقتصاد وتنويع مصادر الدخل.

وفي المحصلة، يرى مراقبون أن نفي البنك المركزي طباعة العملة لا يعني انتهاء معضلة التمويل، بل يعيد تسليط الضوء على هشاشة النموذج الاقتصادي العراقي، حيث تظل الرواتب مرهونة بتقلبات سوق النفط أكثر من ارتباطها بقاعدة إنتاجية مستدامة.