أيمن بيطار يرسم روحه على جدران الكنائس

من ألوان يستخرجها من الأرض وصفار البيض، يصنع الرسام السوري جمالا ببطء الصبر وعمق الإيمان والصمت.

دمشق ـ في مرسمه، حيث يخيّم الصمت حول الخشب والألوان والوجوه المضيئة، تبدو الأيقونة لدى الفنان التشكيلي أيمن بيطار أكثر من كونها لوحة دينية أو جدارية كنسية؛ فهي ذاكرة روحية مكتوبة باللون، وحوار بصري ممتد بين الصورة والإيمان، هناك، يجلس بيطار أمام أعماله بهدوء العارف بخبايا هذا الفن، وكأنه يدرك أن الأيقونة لا تُنجز على عجل، بل تُصاغ بالصبر والمعرفة والتأمل.

وعلى مدى أكثر من أربعة عقود، حمل بيطار، ابن مدينة حمص، هذا الفن إلى كنائس وجدران عدد من دول العالم، مستعيداً ملامح المدرسة الشرقية الأنطاكية، ومؤكداً أن الأيقونة ليست مجرد زينة بصرية، بل لغة روحية لها قواعدها ورموزها ورسائلها التي تتجاوز الشكل إلى المعنى العميق.

وبدأت حكاية بيطار مع فن الأيقونة في سن مبكرة، بعدما لفتت إحدى لوحاته انتباه المطران ألكسي عبد الكريم، وهو لا يزال في السابعة عشرة من عمره، وكان فن الأيقونات في سوريا، كما يروي بيطار في حديث مع مراسلة سانا، بحاجة إلى رسامين متخصصين قادرين على إحياء هذا الفن والمحافظة على أصوله.

وفي عام 1989، بدأ بيطار دراسة قواعد فن الأيقونات في اليونان، التي يصفها بأنها النبع الأساسي للفن البيزنطي، وهناك تنقل بين الكنائس والأديرة ومحترفات كبار رسامي الأيقونات، متتبعاً أسرار هذا الفن من مصادره الأولى، ومتعرفاً إلى مدارسه التقليدية وطرائق تنفيذه.

ويقول بيطار لوكالة الأنباء السورية (سانا)، "إن التحدي الأبرز في بداياتي جاء عندما طلب مني المطران ألكسي، إنجاز أيقونات كاتدرائية القديسين الأربعين شهيداً في حمص القديمة، ولم يكن العمل سهلاً، ولا سيما أن الجدران والارتفاعات وصلت إلى نحو 17 متراً، إضافة إلى الحاجة لتأمين المواد من اليونان، إلا أن التجربة تحولت إلى محطة مفصلية في مسيرتي، ورسخت ثقتي بقدرتي على المضي في هذا الطريق".

ويرى بيطار أن كتابة الأيقونة كما يفضل أن يسميها، فن قائم بذاته، يختلف عن اللوحة التشكيلية من حيث الغاية والبناء والرموز، وهي لا تسعى إلى الجمال وحده، بل إلى إيصال معنى روحي وإنساني من خلال الخطوط والألوان والحركة الصامتة للوجوه والأجساد.

ويبين أن الأيقونة نشأت لتكون وسيلة بصرية تساعد الذين لم يكونوا يقرؤون أو يكتبون، على فهم الأحداث المقدسة، لذلك لا تكمن قيمتها في الزخرفة، بل في مضمونها وقدرتها على منح المشاهد إحساساً بالخشوع.

ويضيف، إن لكل لون وخط ونظرة داخل الأيقونة دلالة محددة، وإن الفنان لا يتعامل معها بحرية مطلقة كما في اللوحة التشكيلية، بل ضمن نظام روحي وفني متوارث، يحتاج إلى معرفة دقيقة بالتاريخ والرموز والمدارس الفنية.

وعن مراحل إنجاز الأيقونة، يوضح بيطار أن هناك نوعين أساسيين: أيقونات خشبية متحركة، وأيقونات جدارية ثابتة، وتبدأ العملية بتحضير السطح وفق مواد خاصة، ثم وضع المخطط الأولي، قبل الانتقال إلى اللون والطبقات النهائية.

ويستخدم الفنان في أعماله الألوان الطبيعية المستخرجة من الأرض، والخالية من المواد الكيميائية، الممزوجة بصفار البيض وفق تقنية قديمة تمنح الأيقونة ديمومة وقدرة على مقاومة الزمن، ويؤكد أن التقنية في هذا الفن ليست مجرد مهارة يدوية، بل علاقة روحية بين كاتب الأيقونة والعمل، لأن المطلوب ليس إنتاج صورة جميلة فقط، بل عمل يحمل طاقة وجدانية.

ويجد بيطار أن المحافظة على أصول هذا الفن لا تقل أهمية عن ممارسته، فالأيقونة تحتاج إلى دراسة أكاديمية وحرفية عالية، لا إلى موهبة عابرة فقط.

ترك بيطار بصمته في عدد من الكنائس داخل سوريا وخارجها، من بينها كاتدرائية القديسين الأربعين شهيداً في حمص، وكنائس القديسة أولغا في أثينا، ومار إلياس المطيلب في الرابية بلبنان، والقديس جاورجيوس في بورتلاند بولاية أوريغون الأمريكية، والقديس ديمتريوس في ألمانيا، والسيدة العذراء في الإسكندرية بمصر.

ونال تكريمات محلية وعالمية، من أبرزها تكريم من قسم الكنائس في وزارة الخارجية اليونانية، إضافة إلى منحه فرصة متابعة دراسة ترميم الأيقونات، والتنقيب عن الآثار لمدة خمس سنوات أخرى بعد دراسته فن الأيقونات في كلية الفنون التشكيلية باليونان.

ويطمح بيطار اليوم إلى نقل خبرته للأجيال الجديدة من خلال إحداث معهد متخصص، بالتعاون مع الجهات المعنية، ليكون مقصدا للهواة والباحثين عن الفن البيزنطي في سوريا والمنطقة، ومركزاً يحفظ هذا الفن من العشوائية والاندثار.

من جانبه، يرى الأب أندراوس تامر، خادم كاتدرائية القديسين الأربعين شهيداً في حمص، أن بيطار يمثل حالة فنية متميزة، إذ استطاع أن يترك أثراً واضحاً في هذه الكاتدرائية العريقة.

ويؤكد الأب تامر أن تجربة بيطار تحمل قيمة فنية وروحية في آن واحد، لأنها تواصل تقليداً سورياً عريقاً في فن الأيقونة، وتحافظ على الجمال المرتبط بالقيم والسلام والذاكرة.

يذكر أن الفنان أيمن بيطار من مواليد حمص عام 1963، ويعد من الأسماء السورية البارزة في فن الأيقونات، وعرفت سوريا منذ مطلع القرن التاسع عشر مدارس مهمة في هذا الفن، من أبرزها المدرسة الحلبية التي أسهمت في انتشاره في المشرق، وتميزت بألوانها الزاهية وخطوطها الانسيابية، كما اشتهر في حمص الرسام نعمة ناصر وابنه إبراهيم.