حرب الاثنتي عشرة ساعة: الرسائل والأهداف
سواء كان هناك اتفاق من عدمه بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لقصف إيران كأداة ضغط لحلحلة الموقف على طاولة المفاوضات، فيبدو أن نظام طهران قرر المضي قدماً والسقوط في (الفخ)، ولكن بشروطه، وشن ضربات صاروخية تركزت على مناطق الشمال والجليل الأعلى للتأكيد على عدم رغبته في توسيع دائرة الهجمات بأكثر مما هو مخطط له.
فعلياً، انتهت الهجمات المتبادلة بعد أن هددت إيران بالانسحاب من طاولة المفاوضات. ورغم أنها لم تستمر أكثر من اثنتي عشرة ساعة، إلا أنها حملت الكثير من الرسائل الإيرانية، منها ما هو سياسي واقتصادي مثل:
أن إيران أرادت التأكيد على ربط المسار اللبناني بالمفاوضات الإيرانية-الأميركية والعودة إلى المعادلة السابقة، وهي، "الضاحية الجنوبية في بيروت خارج الحسابات". إنها ما زالت تمتلك اليد العليا في المفاوضات، فبمجرد أن هددت بتجميد التفاوض مع واشنطن تحرك ترامب فوراً وطالب نتنياهو بوقف الهجمات.
إن طهران ليست في عجلة من أمرها لتوقيع اتفاقية مع ترامب، لذلك تفضل أن تبقي شروطها دوماً متغيرة على طاولة التفاوض تبعاً لسير الأحداث. خلال ساعات الحرب، أغلقت إيران مضيق هرمز، مما أدى إلى ارتفاع برميل النفط بما يقرب من 25 دولاراً، بما يؤكد أن ورقة المضيق ما زالت فاعلة في يد النظام الإيراني.
ومنها ما هو عسكري مثل: أنها ما تزال تمتلك أدوات وأسلحة وصواريخ يمكنها ضرب العمق الإسرائيلي، وكل ما قيل عن تدمير 90 في المئة من صواريخها يحتاج إلى مراجعة وأدلة قوية. قصف الحوثيين إسرائيل بصاروخ يؤكد أن خطر وحدة الساحات ما زال قائماً ولم ينتهِ كما يزعم نتنياهو. أكدت أيضاً قدرتها على توسيع نطاق العمليات لتشمل مضيق باب المندب، بعد أن أعلنت الجماعة الحوثية غلق المضيق أمام السفن الإسرائيلية. تم استخدام نوع جديد من الصواريخ الباليستية "خيبر شيكن" ذات الوقود الصلب الذي يمتلك قدرة كبيرة على المناورة في مواجهة المضادات الأرضية.
الرسائل التي أفرزتها هذه الحرب ربما تكون قد عززت من معنويات حزب الله. أما رسالة طهران الأقوى فهي: أي اتفاق يتجاهل مصالحها سيترك المنطقة مشتعلة. إسرائيل، لبنان، الحوثيين، مضيق هرمز، القواعد الأميركية، والخليج كلها بضغط زر واحدة.
ويكتسب ذلك أهمية إضافية إذا ما وضع في سياق التطورات التي شهدتها الأسابيع الماضية، حيث شعرت طهران أن هناك محاولات لتقليم أظافرها في العراق، بالتلميحات التي ذكرت أن الميليشيات المسلحة التي تدعمها تستعد لتسليم أسلحتها للسلطات في بغداد، لكنها في الوقت نفسه كانت مشغولة بالمحادثات اللبنانية مع تل أبيب في واشنطن، الهادفة إلى حرمانها من ورقتها الأقوى 'حزب الله' اللبناني، وهو ما كانت تنظر إليه بوصفه خسارة لذراعين مهمتين من أذرع نفوذها الإقليمي دون مقابل واضح.
لذا يجب قراءة القصف الصاروخي الأخير لإيران على أنه أكثر من مجرد رد على ضربة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية، بل جزء من محاولة أوسع لاستخدام إسرائيل نفسها كورقة ضغط في المفاوضات مع واشنطن، وذلك بمعادلة خاصة جداً: إسرائيل تضرب حزب الله، تطلق إيران صواريخها على إسرائيل، ترامب يحث الطرفين على العودة إلى الطاولة، ويحصل حزب الله على مظلة دبلوماسية وعسكرية غير مباشرة.
إيران التي تدرك أن الولايات المتحدة لا تريد العودة إلى الحرب، تريد أن تظهر أنها قادرة على تهديد المنطقة بأكملها على طول 3000 ميل من خطوط الجبهة من لبنان إلى الخليج واليمن.
أيضاً في المقابل هناك مخاوف لدى النظام في إيران ليس من مخاطر حرب إقليمية شاملة، ولكن من انفضاح أمره أمام الشعب، وقد كشف الصراع عن نقاط الضعف العسكرية والاقتصادية والاجتماعية للنظام.
فالحرب تمنح هذا النظام الانضباط والخوف والتبرير، فإعادة الإعمار ستتطلب أولويات، ومساءلة، ولغة مختلفة للحكم وهو الذي قضى عقوداً في بناء دولة تعيش تحت القصف والصراعات وليس للسلام والرفاهية، فالحروب تسمح للأنظمة بإعادة ترتيب الأولويات وتأجيل الأسئلة الداخلية الملحة تحت شعار الأمن القومي.
وفي الحقيقة فإن إيران تطلق النار لتحديد الثمن الذي يجب أن يدفعه ترامب لها على طاولة التفاوض سواء في لحظات الهدوء أو الصراع. لهذا السبب هي تريد فوائد الاتفاق مع الحفاظ على الأدوات التي جعلت الاتفاق ضرورياً في المقام الأول.
طهران تعي جيداً نقطة ضعف ترامب وحاجته إلى اتفاق عاجل، وهو في الوقت نفسه لا يستطيع أيضاً تحمل اتفاق ضعيف يبدو كنسخة باهتة من اتفاق عهد أوباما، فهو يسعى إلى حزمة أوسع تشمل: مضيق هرمز مفتوحاً، أسواقاً أكثر هدوءاً، مساحة للتنفس لدول الخليج، وربما إطاراً أوسع لاتفاقيات إبراهيم، لذا فهي ترفع الثمن لمنح الرئيس الأميركي طوقاً للنجاة.
طهران حالياً لم تعد تفاوض كـ"مهزوم" يبحث عن رفع عقوبات لمجرد البقاء، بل كـ"قوة إقليمية نافذة" تقايض فائض القوة النووية (اليورانيوم عالي التخصيب) بتثبيت نفوذها السياسي، وحماية صواريخها، وانتزاع اعتراف شرعي ودولي بهيمنتها الإقليمية وبإدارتها للممرات المائية الحساسة. وهذا قد يجعل الصيغة الحالية انتصاراً استراتيجياً بعيد المدى ومفضلاً لإيران مقارنة باتفاق 2015 التقني.