مونديال 2026.. عندما تصبح التأشيرة جزءا من المنافسة

قيود دخول وجدل متصاعد حول جاهزية الدولة المضيفة يضع مونديال 2026 تحت المجهر قبل انطلاق مبارياته.

برلين - عادة ما تسبق بطولات كأس العالم نقاشات لا تنتهي حول هوية المرشحين للفوز، ومستوى المنتخبات الكبرى، والنجوم القادرين على صناعة الفارق، لكن النسخة التي تستضيفها الولايات المتحدة تبدو مصممة على فرض أجندة مختلفة، إذ تحولت التأشيرات وإجراءات الهجرة والحوادث الأمنية إلى عناوين تتنافس على الأضواء مع كرة القدم نفسها.
وبدلا من الحديث عن خطط المدربين وقوائم اللاعبين، وجدت البطولة نفسها مبكراً في قلب نقاشات تتعلق بمن سيتمكن من دخول الأراضي الأميركية ومن سيبقى خارجها، ومن سيصل إلى الملاعب بسهولة ومن سيضطر إلى خوض معركة بيروقراطية قبل أن يبدأ معركته الرياضية.
أبرز تلك الوقائع تمثلت في قضية الحكم الصومالي عمر عبدالقادر أرتان، الذي اختاره الاتحاد الدولي لكرة القدم للمشاركة في إدارة مباريات البطولة قبل أن تمنعه السلطات الأميركية من دخول البلاد. الحادثة التي أثارت استغراباً واسعاً لم تكن مجرد مشكلة إدارية عابرة، بل تحولت إلى رمز للجدل الدائر حول قدرة الدولة المضيفة على التوفيق بين متطلبات الأمن والهجرة وبين الطبيعة العالمية للحدث الرياضي الأكبر في العالم.
ولم تكن هذه القضية الوحيدة التي ألقت بظلالها على أجواء البطولة، ففي كانساس سيتي، حيث اختار المنتخب الإنكليزي إقامة معسكره، استحوذ حادث إطلاق نار وقع بالقرب من المنطقة المخصصة للبعثة الإنكليزية على اهتمام وسائل الإعلام الدولية، لتعود الأسئلة القديمة حول الأمن والعنف المسلح في الولايات المتحدة إلى الواجهة، ولو من بوابة كرة القدم هذه المرة.
وفي مشهد لا يقل غرابة، تداولت وسائل إعلام أميركية ومحلية تقارير وتحذيرات تتعلق بالحياة البرية في بعض المناطق المستضيفة، بما في ذلك انتشار أنواع من الأفاعي السامة في عدد من الولايات. ورغم أن الأمر لا يتجاوز في جوهره تحذيرات بيئية معتادة، فإن مجرد دخوله إلى المشهد الإعلامي للمونديال أضاف طبقة جديدة من المفارقات إلى بطولة لا تعاني أصلاً من نقص في العناوين المثيرة.
هكذا وجد المتابع نفسه أمام قائمة طويلة من الملفات التي لا تمت بصلة مباشرة إلى كرة القدم: تأشيرات دخول، إجراءات تفتيش مشددة، مخاوف أمنية، وتحذيرات بيئية. وكأن الطريق إلى كأس العالم لم يعد يمر عبر التصفيات القارية فقط، بل عبر المطارات ونقاط العبور واللوائح الأمنية أيضاً.
المفارقة أن الولايات المتحدة تمتلك من الإمكانات والبنية التحتية ما يجعلها من أكثر الدول قدرة على استضافة حدث بحجم كأس العالم، غير أن النجاح التنظيمي لا يقاس بعدد الملاعب الحديثة وحدها، بل أيضاً بقدرة الدولة المضيفة على توفير بيئة يشعر فيها اللاعب والحكم والمشجع بأنهم ضيوف مرحب بهم قبل أي شيء آخر.
ومع تصاعد الجدل حول قيود الدخول واحتمال غياب جماهير بعض المنتخبات بسبب تعقيدات السفر والتأشيرات، بدأت صورة البطولة تتشكل في أذهان كثيرين قبل أن تتشكل داخل الملاعب، فالمونديال الذي يفترض أن يكون احتفالاً عالمياً مفتوحاً للجميع، بات يواجه أسئلة تتعلق بمن يستطيع المشاركة فيه فعلاً.
وربما تكمن المفارقة الأكبر في أن البطولة لم تبدأ بعد، ومع ذلك نجحت بالفعل في فرض نفسها على عناوين الأخبار العالمية، لكن ليس بسبب هدف رائع أو مواجهة منتظرة أو نجم صاعد، بل بسبب قضايا كان يفترض أن تبقى في الهامش لا أن تتصدر المشهد.
قد تنجح الولايات المتحدة في نهاية المطاف في تقديم نسخة استثنائية من كأس العالم على المستوى الفني والجماهيري، وهو أمر لا يستبعده أحد، لكن حتى يحين موعد صافرة البداية، يبقى الانطباع السائد أن مونديال 2026 يخوض مباراته الأولى خارج المستطيل الأخضر. وفي هذه المباراة تحديداً، لا تبدو التأشيرة مجرد وثيقة سفر، بل جزءاً من المنافسة نفسها.