المادة 200 تشعل الجدل الانتخابي في الجزائر

جوهر الخلاف يكمن في غياب توافق سياسي حول المعايير المعتمدة لتحديد وجود 'شبهة' تبرر الإقصاء من الترشح للانتخابات التشريعية المقررة في يوليو.

الجزائر – أثارت المادة 200 من قانون الانتخابات الجزائري موجة واسعة من الجدل السياسي والقانوني مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية في يوليو/تموز المقبل، بعدما تسببت في رفض عشرات ملفات الترشح عبر مختلف الأحزاب السياسية، بما فيها أحزاب الموالاة التقليدية.

وخلال ندوة صحفية خصصت لعرض البرنامج الانتخابي لحزب جبهة التحرير الوطني، تطرق الأمين للحزب عبدالكريم بن مبارك، إلى الجدل بشأن المادة 200، مؤكدا في رده على أسئلة الصحفيين أن الإشكال لا يكمن في وجود المادة بحد ذاتها، وإنما في كيفية تطبيقها على أرض الواقع، مشيرا إلى أن الهدف من استحداثها يتمثل في تنظيم الحياة السياسية وأخلقة العملية الانتخابية، غير أن تطبيقها في بعض الحالات يثير إشكالات مرتبطة بالتفسير والتأويل، بما قد يؤدي إلى تباين القرارات من حالة إلى أخرى.

وشدد بن مبارك على ضرورة تطبيق أحكام هذه المادة بشكل واضح ودقيق، بعيدا عن أي غموض أو اجتهادات واسعة قد تفضي إلى قرارات إقصاء غير مفهومة بالنسبة للمترشحين، داعيا في نفس الوقت إلى تقديم مبررات قانونية واضحة لكل حالة رفض، بما يضمن تمكين المعنيين من معرفة أسباب القرار وممارسة حقهم في الطعن والدفاع عن أنفسهم أمام الجهات المختصة.
وبدا واضحا حرص بن مبارك على عدم انتقاد سلطة الانتخابات، إذ أكد "نحترم قرارات مؤسسات الدولة، بما فيها السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، كما نحترم أحكام القضاء"، مشيرا إلى تسجيل عدد من حالات الطعن وسط مترشحي الحزب انتهت باسترجاع أصحابها لحقوقهم وإدراج أسمائهم ضمن القوائم النهائية الخاصة بالانتخابات التشريعية المقبلة.

وتؤكد السلطات أن الهدف من المادة هو حماية العملية الانتخابية من تأثير المال الفاسد وأصحاب المصالح المشبوهة، فيما ترى أطراف سياسية عديدة أن طريقة تطبيقها تفتح الباب أمام تفسيرات واسعة قد تؤدي إلى إقصاء مترشحين دون أحكام قضائية نهائية.

وتنص المادة على استبعاد المترشحين الذين تحوم حولهم شبهات تتعلق بالفساد أو استغلال النفوذ أو المال غير المشروع، وهو ما اعتبرته الحكومة آلية لتعزيز نزاهة الانتخابات ومنع عودة شبكات النفوذ المالي إلى المؤسسات المنتخبة. غير أن الجدل تصاعد بعد إعلان السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات رفض عدد كبير من الملفات، ما دفع أحزاباً عديدة إلى تقديم طعون والاحتجاج على ما وصفته بـ"التوسع في تطبيق المادة".

وانضم رئيس حركة البناء الوطني عبدالقادر بن ڤرينة، إلى دائرة الجدل وفي أول تجمع له مع انطلاق الحملة الانتخابية لاستحقاقات يوليو/تموز القادم، اعترف بن ڤرينة بتضرر الحركة من تطبيق المادة على الكثير من مترشحيها، من دون أن يحمّل جهة مسؤولية ذلك.

وبنبرة أشد حدة، انتقد المسؤول الحزبي ما اعتبره اعتماد بعض قرارات الإقصاء على "شبهات غير مثبتة"، داعياً السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات إلى استدعاء المترشحين المقصين وتمكينهم من الاطلاع على الأسباب والاتهامات الموجهة إليهم، بما يضمن الشفافية ويحفظ حقوقهم السياسية مستقبلاً.

وحاول بن ڤرينة إمساك العصا من المنتصف، قائلا إن "إطارات الحركة تخطئ لكن نحن ننزه مؤسسات الدولة"، موضحا "من ينتظر أن تنتقد أو تطعن الحركة في مؤسسات الدولة وسلطتها، رئاسة ودفاع وقضاء وسلطة مستقلة وغيرها فهو مخطئ"، وتابع إن "الحركة تتألم وتئن حقيقة من الظلم ويصلها الموس للعظم، لكنها لا تقول سوى خير في مؤسسات الدولة".

وفي تبريره لهذا السلوك السياسي، قال "إننا ندرك أن الدول تسقط عندما يبدأ الطعن في مؤسساتها، مشيرا إلى أن الحركة تتحمل الأذى وتذوب مصالحها أمام مصالح الدولة، كما تذوب مصالح الأفراد أمام المصالح الحزبية".

ويكمن جوهر الخلاف في غياب توافق سياسي حول المعايير المعتمدة لتحديد وجود "شبهة" تبرر الإقصاء، إذ ترى الأحزاب المنتقدة أن الأصل هو قرينة البراءة وأن حرمان أي مواطن من حقه السياسي يجب أن يستند إلى أحكام قضائية نهائية لا إلى تقديرات إدارية. كما تخشى هذه الأحزاب من أن يؤدي التطبيق الواسع للمادة إلى تقليص التنافس الانتخابي وإبعاد شخصيات سياسية ذات وزن انتخابي من السباق التشريعي.

في المقابل، تدافع السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات عن إجراءاتها، مؤكدة أن رفض الملفات لا يرتبط بالمادة 200 وحدها، بل يشمل أيضاً مخالفات قانونية وتنظيمية أخرى تتعلق بالشروط الشكلية والإدارية للترشح. وشدد مسؤولو الهيئة على أن جميع القرارات تخضع لرقابة القضاء من خلال آلية الطعون المقررة قانوناً، بما يضمن احترام القواعد القانونية المنظمة للعملية الانتخابية.

ومن المتوقع أن ينعكس الجدل حول المادة 200 على أجواء الانتخابات التشريعية المقبلة بعدة طرق. فمن جهة، قد يؤدي استمرار الاعتراضات إلى زيادة التشكيك في نزاهة العملية الانتخابية لدى بعض القوى السياسية والناخبين، خاصة إذا استمرت حالات الرفض بحق أسماء معروفة أو مرشحين يمتلكون قواعد شعبية.
 ومن جهة أخرى، ترى السلطات أن التشدد في تطبيق القانون سيعزز ثقة الرأي العام في الانتخابات عبر إبعاد أصحاب المصالح والمال السياسي عن المؤسسات المنتخبة.

وتفاوتت تصريحات المسؤولين الحزبيين في نقد المادة وتركزت في ضرورة إعادة النظر فيها وضبط مصطلحاتها لتصبح دقيقة ومتطابقة مع طبيعة وخصائص القاعدة القانونية.

وأكد منذر بودن الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي أكد وجود إرادة سياسية لتعزيز الضوابط الكفيلة بضمان نزاهة العملية الانتخابية وشفافيتها، غير أن بعض الأحكام القانونية، وعلى رأسها المادة 200، أثارت نقاشا واسعا داخل الساحة السياسية.

وتابع بودن "بصفتنا في صلب العملية الانتخابية، سنتعامل مع هذه المعطيات بروح المسؤولية، وسنواصل خوض هذا الاستحقاق بنفس العزيمة والقوة والإيمان بخدمة الوطن والمواطن". وعبّر بودن عن "تفهمه مشاعر الإحباط التي قد يشعر بها بعض مناضلينا في هذه المرحلة، خاصة من الذين لم يحالفهم الحظ أو تأثروا ببعض القرارات والإجراءات"، مشيرا إلى أن الحزب أمام تحدٍ وطني يقتضي من الجميع التحلي بروح المسؤولية وتغليب المصلحة العليا للبلاد.

وأضاف السياسي، أن الآليات والإجراءات المعقدة التي تميز الأنظمة الانتخابية في مختلف دول العالم قد تؤدي أحياناً إلى تسجيل بعض الهفوات أو الصعوبات في التطبيق، وهو أمر يستدعي التقييم الموضوعي واستخلاص الدروس من أجل تحسين الأداء وتطوير المنظومة الانتخابية مستقبلاً".

وتحولت المادة 200 إلى أحد أبرز عناوين المعركة السياسية السابقة للانتخابات التشريعية في الجزائر. فبين من يعتبرها أداة ضرورية لتطهير الحياة السياسية، ومن يراها وسيلة قد تستخدم لتضييق دائرة المنافسة، يبقى تأثيرها النهائي مرتبطاً بنتائج الطعون القضائية ومدى قدرة السلطات على إقناع الرأي العام بأن تطبيقها يتم وفق معايير قانونية شفافة ومتساوية على جميع المترشحين دون استثناء.