إسرائيل تحذر من 'موطئ قدم نووي' لموسكو في مصر
القدس – يثير مشروع محطة الضبعة النووية في مصر قلقاً متزايداً داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية، حيث حذرت وسائل إعلام عبرية من توسع نفوذ محتمل لروسيا في واحدة من أهم الدول العربية وأكثرها تأثيراً في معادلات الأمن الإقليمي. وترى أن المشروع يتجاوز كونه استثماراً اقتصادياً أو تعاوناً تقنياً في قطاع الطاقة، ليشكل امتداداً استراتيجياً للحضور الروسي في منطقة الشرق الأوسط عبر بوابة المشاريع الاقتصادية الكبرى.
وسلطت منصة "ناتسيف نت" العبرية الضوء على المخاوف الإسرائيلية من المشروع قائلة أنه يمثل "موطئ قدم نووي" لموسكو في الشرق الأوسط فتمويل روسيا لـ 85 بالمئة من تكلفته (نحو 25 مليار دولار)، وتوليها توريد الوقود ومعالجة النفايات لـ 60 عاماً، يخلق تبعية مصرية استراتيجية طويلة الأمد.
حذرت من إنشاء منطقة صناعية روسية قرب قناة السويس، معتبرة إياها حضوراً دائماً في نقطة تجارية محورية، ومؤشراً على انزياح القاهرة عن الغرب نحو المحور الروسي-الصيني ضمن تجمع "بريكس".
وتستند هذه المخاوف إلى طبيعة الاتفاق المبرم بين القاهرة وموسكو، إذ تتولى روسيا تمويل الجزء الأكبر من تكلفة المشروع، كما تتكفل بتوريد الوقود النووي وإعادة معالجة النفايات النووية وتقديم الدعم الفني والتشغيلي لعقود طويلة. ويعني ذلك، وفق التقديرات الإسرائيلية، أن العلاقات بين البلدين لن تقتصر على مرحلة البناء والتشغيل الأولية، بل ستتحول إلى شراكة استراتيجية ممتدة تمنح موسكو نفوذاً مستداماً داخل أحد أهم القطاعات الحيوية في مصر.
وتنظر إسرائيل إلى مشروع الضبعة باعتباره جزءاً من استراتيجية روسية أوسع لتعزيز حضورها في الشرق الأوسط عبر أدوات اقتصادية وتنموية بدلاً من الاعتماد الحصري على النفوذ العسكري. فبعد سنوات من ترسيخ وجودها في سوريا، تسعى موسكو إلى بناء شبكات نفوذ طويلة الأمد من خلال مشاريع البنية التحتية والطاقة والتعاون الصناعي، بما يضمن لها الحفاظ على موقع مؤثر في المنطقة حتى في ظل التحولات السياسية المتسارعة.
ورغم أن المحطة ستوفر 10 بالمئة من كهرباء مصر عند تشغيل مفاعلها الأول (بين أواخر 2027 ومنتصف 2028)، إلا أن التقييمات الإسرائيلية ترى أن البنية التحتية والمعرفة المكتسبة تمنح القاهرة "شرعية نووية" قد تختصر الطريق مستقبلاً نحو خيارات عسكرية أو تخصيب الوقود، رغم صعوبة استخراج البلوتونيوم من مفاعلات الماء الخفيف.
وعلى الصعيد الإقليمي، يحفز المشروع دولا كالسعودية على تسريع برامجها النووية، مما يثير مخاوف إسرائيلية من "تشبع نووي" في المنطقة يهدد تفوقها النوعي.
وعلى صعيد آخر، حذرت المنصة من الموقع الجيولوجي النشط للمحطة على البحر المتوسط، مشيرة إلى أن أي تسرب إشعاعي قد يطال شواطئ إسرائيل ومرافق تحلية المياه. واستراتيجياً، رأت أن التبعية المصرية لروسيا تقلص هامش المناورة الإسرائيلي وتضعف النفوذ الأميركي التقليدي.
وتخشى الأوساط الإسرائيلية من أن يؤدي تعاظم التعاون الاقتصادي بين مصر وروسيا إلى توسيع هامش المناورة السياسية للقاهرة في علاقاتها الدولية، بما يقلل من اعتمادها على الشركاء الغربيين التقليديين. فكلما توسعت المصالح الاقتصادية والاستراتيجية المشتركة بين القاهرة وموسكو، ازدادت قدرة مصر على اتباع سياسة خارجية أكثر استقلالية وتوازناً بين القوى الدولية الكبرى، وهو ما قد ينعكس على موازين القوى الإقليمية التي تتابعها إسرائيل عن كثب.
وتربط بعض التحليلات الإسرائيلية بين مشروع الضبعة ومشروعات أخرى تشهدها العلاقات المصرية الروسية، مثل المنطقة الصناعية الروسية في محور قناة السويس والتعاون في مجالات الطاقة والتجارة والسياحة. وترى هذه التحليلات أن تراكم هذه المشاريع يساهم في بناء نفوذ اقتصادي روسي متنامٍ داخل مصر، ما يمنح موسكو أدوات تأثير تتجاوز البعد الاقتصادي لتطال ملفات سياسية وأمنية وإقليمية.
وفي إطار ردها على هذا التحدي، بدأت إسرائيل منذ مايو/أيار 2025 دراسة جادة لإنشاء أول محطة طاقة نووية محلية في "شيفطة" بالنقب لتنويع مصادر الطاقة، وتجري حوارات مع واشنطن لتطوير "مفاعلات معيارية صغيرة" لضمان عدم تخلفها عن السباق الإقليمي.
وكانت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية نشرت تحليلا مؤخراً، رداً على إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إمكانية تشغيل أول مفاعل بالضبعة في 2027. ووصفت الصحيفة الاعتقاد بأن المشروع للطاقة فقط بـ"الخطأ الفادح في التصنيف"، معتبرة إياه "لعبة تطويق استراتيجي بطيئة"، ومؤكدة أن "إسرائيل ليست عرضية في هذه الصورة، بل هي الهدف".
كشفت صور بالأقمار الاصطناعية نشرتها وسائل الإعلام الإسرائيلية عن تحصينات وقواعد عسكرية دائمة أقامتها إسرائيل على حدود قطاع غزة وشمال سيناء.
وقالت منصة ناتسيف نت الإسرائيلية إنها أطلعت على تقارير استخبارتية حديثة مطلع شهر يونيو الجاري، استندت إلى تحليل صور الأقمار الصناعية، كشفت عن إقامة إسرائيل تحصينات وقواعد دائمة داخل مدينة رفح وعلى طول محور فيلادلفيا، وهي إجراءات تراها مصر انتهاكا صريحا للملحق العسكري في اتفاقيات كامب ديفيد.
وأضافت المنصة العبرية أن التقارير، أظهرت أن إسرائيل لا تكتفي بنقاط مراقبة مؤقتة، بل تبني بنية تحتية عسكرية طويلة الأمد تشمل دبابات ومدفعية في مناطق يُفترض أن تكون منزوعة السلاح أو مقيدة بالأسلحة الثقيلة.
وتم رصد خمسة قواعد عسكرية جديدة على الأقل داخل رفح وبالقرب من الحدود المصرية، فضلا عن نشر دبابات ميركافا 4 ومدافع 109 إم داخل رفح الفلسطينية، وهو ما يخالف القيود المفروضة على المنطقة د.
وأشارت إلى أن إسرائيل قامت بتحصين محور فيلادلفيا عبر إنشاء ساتر ترابي وخنادق وطرق عسكرية داخلية تحيط بمراكز سكانية، مما يدل على نية للسيطرة الدائمة على المحور، وهو ما قوبل برفض قاطع من مصادر مصرية رسمية اعتبرت الوجود الإسرائيلي في المنطقة د ونشر أسلحة ثقيلة أمرا غير مقبول ويمثل خرقا لإطار الاتفاق.
وقالت منصة ناتسيف نت الإسرائيلية إن مصر هددت باتخاذ خطوات مضادة تشمل إمكانية إلغاء أو إعادة النظر في بنود الاتفاق، وعززت تواجدها العسكري في سيناء استجابة للتحركات الإسرائيلية، بينما بررت إسرائيل خطواتها بالحاجة الأمنية لمنع إعادة تسليح حماس، وطالبت رسميا بتحديث ملاحق الأمن في كامب ديفيد لتتوافق مع الواقع الأمني الجديد.
وأضافت المنصة العبرية أن إسرائيل وجهت اتهامات مضادة لمصر بانتهاكات تشمل توسيع مدارج طيران في سيناء وإنشاء منشآت تحت الأرض ونشر أنظمة دفاع جوي متقدمة في مناطق محظورة، في حين يوضح الجدول المقارن حجم الخروقات الإسرائيلية للاتفاق، حيث تم نشر ألوية مدرعة ودبابات ومدفعية بدلا من أربع كتائب مشاة فقط في المنطقة د، والسيطرة العسكرية الكاملة على محور فيلادلفيا وتحويله إلى تحصينات دائمة بدلا من كونه منطقة عازلة، فضلا عن تغيير الوضع القائم بشكل أحادي دون تنسيق مع القاهرة.