أرواحٌ من قطنٍ وصناديقُ من ذاكرة: قراءةٌ في فلسفةِ الماتريوشكا عند عائشة بنور
تتجلى رواية "ماتريوشكا: أرواح من قطن" للكاتبة الجزائرية عائشة بنور، والصادرة عن دار خيال للنشر والترجمة، كأطروحة سردية بالغة العذوبة والتعقيد؛ تتقصى طبقات النفس البشرية عبر تداخل الأمكنة والذاكرة الصدئة. يبدأ العمل من العتبة الأولى، الإهداء الذي يفتح دهاليز النسيان لأولئك الذين "ماتوا حبًا، وضاعت أرواحهم بين الأمكنة ودهاليز الذاكرة"، والمُعزز بعبارة فرانز كافكا الشجية: "كلّ ما نحبّه سنخسره، لكنّ الحبّ سيعود إلينا بطريقة أخرى"، ممّا يؤسس للمناخ النفسي العام للرواية المتمثل في الفقد والبحث الملحّ عن الخلاص داخل الصناديق والمدن. وتتحرك البنية السردية في فلك بطلة الرواية "كلثوم"، الباحثة المساعدة في البعثة الوطنية للترميم وحفظ الذاكرة، حيث ينبثق الصندوق المعدني العتيق كأيقونة محورية تناديها من عمق التراب لتشعل في رأسها صرخة العالم: "افتحيني.. أنا هنا.. لا تتركيني للنسيان". وتُدار الرواية عبر تقنية تعدد الأصوات الداخلية، حيث تتشظى ذات كلثوم إلى صوتها الفعلي وصوت "رفيقة صمتها" أو "مرآة ذاتها" التي تحاورها بدهشة قائلة: "فتحتِ الصّندوق يا كلثوم، ونبشتِ القبور.. وبدأتِ رحلتكِ مع الماتريوشكا وأرواح من قطن"، مما يجعل من المكان كائنًا حيًا يعري جروحه في صمت كضياء شمعة في مهب الريح.
وتتوسّل عائشة بنور بدمية "الماتريوشكا" الروسية الشهيرة كاستعارة كبرى لتفسير الوجود البشري والعلاقات الإنسانية، حيث تقول كلثوم في حوارها مع ابنة عمها بدر الزمان: "كلما فتحت واحدة خرجت أخرى من رحمها، كما لو أنّ الحياة طبقات من أسرار متوارثة، وقلوب متداخلة تخبئ في أعماقها آلامًا صامتة وأحلامًا مؤجلة". إنها فلسفة الاحتواء والانسلاخ الدائم، حيث تصبح الساردة نفسها هي الدمية الأخيرة التي ترتدي لباس الستر والأمومة بعد أن عبرت طفولتها. وفي مقابل هذا الاحتواء الآمن، تبرز استعارة "صندوق باندورا" الإغريقي الذي تخشاه البطلة وتراه مجسدًا في الصناديق التي يعثر عليها فريق التنقيب، متسائلة بتوجس: "هل هو صندوق باندورا الممتلئ بالشرور والمآسي والّلعنات؟"، مما يعكس صراع الأنا بين الرغبة في فتح الصناديق واستعادة الذاكرة والخوف من لعناتها. وتتوزع جغرافيا السرد بين مدن شتى تحمل هويتها النفسية، مثل المدن المتربة والمعتقة التي يعشقها قلب الساردة، حيث يركن أهلها إلى الظل يغازلون النسيم ويضمدون بؤسهم برفق، والمدن الباردة والحديثة التي تسرق الابتسامة وتجافي الأرحام وتكتم تأوهات الفقراء، ومدن البحر المضمخة بالمآسي والفتن والتي تبتلع الأحلام في غياهبها.
وتنتقل الرواية بنقلة نقدية واعية من حيز الحفريات الترابية إلى حيز الحفريات البصرية والفنية، مستحضرةً التاريخ الجزائري الدامي من خلال لوحة "المجاعة في الجزائر" (1869م) لغوستاف غيوميه، والتي تُشكل صدمة وجدانية عنيفة لكلثوم أثناء زيارتها لمتحف "سيرتا" بقسنطينة، حيث تستنطق ألوان اللوحة المعتمة والشاحبة لتعيد رسم مأساة "عام البون" أو "عام الشر" قائلة: "عام البون.. عام الشر.. الّذي جفّت فيه ينابيع الأرض، وتلوّت الأمّهات من الجوع والفقر البائس"، لتتحول السردية إلى صرخة غضب سياسي وإنساني ضد سياسة التجويع الممنهجة التي مارسها المستعمر الفرنسي. ويرتبط هذا البعد التاريخي بذاكرة العائلة، فـ "أمي مسعودة" الموشومة الجبين تحمل على جسدها وفي روحها آثار السجن والتعذيب بالكهرباء على أيدي المظليين الفرنسيين، كما ينبثق سجن "سركاجي" في السرد كشاهد مرعب احتضن المناضيلن أمثال زبانة وطالب عبد الرحمن الذين أُعدموا بالمقصلة الصدئة. وتتعدد الصناديق في بيت العائلة بتعدد المآسي، كصندوق مسح الأحذية للشقيق مهدي الذي يختزل شقاء عهد الاستعمار، وصندوق الأم المحمل بأوراق الشوق والقلادة الباقية من الأب شعبان الذي جرجره المظليون ذات ليلة حالكة.
وعلى الصعيد العاطفي، تتحرك في كواليس الرواية علاقة بالغة التعقيد والوجع بين كلثوم وزوجها السابق أو حبيبها خالد بن يحيى، الرجل الأسمر الذي ينهشه جرح روحي دفين ونوبات اكتئاب وفقدان للذاكرة، حيث يظهر في موقع الحفريات كزميل يتبادل مع كلثوم نظرات الشوق الصامت والتوجس، وتتجلى تراجيديا العلاقة في العجز عن التواصل؛ فالذاكرة التي سحقت كل شيء تركت شعلة الحب متقدة لكنها مكبلة بالكبرياء والخذلان. وفي مقابل هذا الجفاء، تبرز شخصية بشرى إبراهيم، الزميلة الطموحة التي تتقن فن التلاعب وتراقب فترات الجفاء لتستغل خجل خالد، مما يذكي نيران الغيرة والنفور في قلب كلثوم. وتتعمق المأساة في الفصول الأخيرة عندما تسافر العائلة إلى مدينة "تنس" الساحلية، وعند منارة "رأس تنس" وسفح جبل سيدي مروان تلتقي كلثوم برجل غريب مخبول يدندن أغنية "بختة" للشيخ عبد القادر الخالدي ويمشي بخطوات مرتبكة على حافة الجرف الصخري حتى يهوي في قاع البحر، وهو السقوط المروع الذي يتماهى في وعي كلثوم الباطن مع صورة خالد بن يحيى، حيث يمتزج الوهم بالحقيقة ليصبح السقوط المادي للرجل المخبول رمزاً للسقوط العاطفي والانهزام النفسي الذي تعيشه البطلة خارج الصندوق.
واعتمدت عائشة بنور على لغة شاعرية رصينة مشحونة بالرمز ومستعينة بالتوظيف الموفق للموروث الشعبي والأدبي عبر تناصات متميزة تعزز عمق الطرح؛ كالتناص الأدبي من خلال استدعاء الشعر العذري والصوفي لجميل بثينة ومجنون ليلى، وصولاً إلى قصيدة "رأس المحنة" أو "رأس ابن آدم" للشاعر الصوفي لخضر بن خلوف التي توظفها البطلة لاستنطاق المومياء الصغيرة التي عثرت عليها في القبر، بالإضافة إلى التناص الفني مع لوحات باية محي الدين بزهوها اللوني وبيكاسو وتوقيعه على لوحة جميلة بوباشة، فضلاً عن حضور طقوس مدينة تنس كعادات الولي الصالح "سيدي معمر" ومهر العروس المعروف بـ "أربعة دورو" لتيسير زواج الفقراء. وتتحرك الجملة الروائية برقة عذبة تتناوب بين الإيقاع الجنائزي البطيء في لحظات استرجاع المجاعة والتعذيب وبين الإيقاع الحيوي.
وتتأسس هذه الجدلية في رواية "ماتريوشكا: أرواح من قطن" على محاولة مستمرة لترميم الهوية المشروخة التي تسببت فيها صدمات التاريخ المتلاحقة؛ فالبطلة كلثوم لا تنبش الأرض بحثاً عن الآثار بصفتها قطعاً جامدة، بل تبحث عن مكامن الوجع الإنساني المخبوء تحت تلال النسيان. يتضح هذا بعمق عندما تلتفت الرواية إلى رصد التحولات الاجتماعية والنفسية التي طرأت على الإنسان الجزائري، وكيف تحولت أجساد النساء -على وجه الخصوص- إلى مسرح سجل عليه المستعمر أبشع أدوات قهر الذاكرة، وهو ما يتجلى في ملامح "أمي مسعودة" التي غدا وشم جبينها رمزاً للمقاومة والصمود الصامت في وجه العاصفة. إن هذا الترابط الوثيق بين الجسد الأنثوي والأرض والذاكرة يمنح الرواية بعداً رمزياً يحيل الدمية الروسية "الماتريوشكا" من مجرد لعبة خشبية إلى أيقونة تختزل أجيالاً متعاقبة من النساء اللواتي يخرجن من أرحام بعضهن البعض، حاملات الأمانة ذاتها والألم ذاته من جيل إلى جيل.
وتتجلى براعة عائشة بنور في قدرتها على الموازنة بين قسوة الطرح التاريخي ورقة الدفق العاطفي؛ فالحب في الرواية ليس ترفاً، بل هو خط الدفاع الأخير الذي يتشبث به الإنسان لئلا يفقد إنسانيته تماماً. ورغم الخذلان ومشاعر الفقد والمسافات النفسية الشاسعة التي تفصل بين كلثوم وخالد، يظل طيفه حاضراً في كل تفصيل، وكأن عجزها عن إنقاذه في الواقع هو انعكاس لعجزها عن إنقاذ الماضي من وطأة الضياع. هذا التداخل الشائك بين الخيبات الشخصية والانكسارات الجماعية يجعل من العمل مرثية سردية تقاوم الموت بالفن، وتقاوم الصمت بالبوح، وتجعل من الكتابة نفسها وسيلة لكسر الأقفال وتهشيم الصناديق التي سُجنت داخلها الأرواح طويلاً.
إن الرواية في صيرورتها الختامية لا تقدم حلولاً قطعية، بل تترك الأسئلة مشرعة على مصراعيها مثل أبواب المدن المتربة؛ تترك القارئ أمام مرآة ذاته ليتأمل طبقات وعيه الخاص، ويتساءل عن عدد الصناديق التي يخبئها في أعماقه، وعن تلك الأرواح القطنية التي يخشى عليها من التمزق إذا ما واجهت رياح الحقيقة العاتية.
ومن هنا، تكتسب "ماتريوشكا – أرواح من قطن- " قيمتها الفنية والفلسفية كإضافة نوعية للمدونة الروائية الجزائرية والعربية، مستنطقةً الصامت والمهمش، ومؤكدةً أن الذاكرة الحية هي الوحيدة القادرة على صياغة الغد، وأن دموع الأمس ليست سوى المطر الذي يروي بذور الخلاص القادم.