كيف يدفع اقتصاد غزة ثمن الصراع

جهات مختلفة تتهم بعض رجال الأعمال بالاستفادة من الظروف الاستثنائية التي يعيشها القطاع لتحقيق مكاسب أو الانخراط في أنشطة مثيرة للجدل.

لم يعد التحدي الأكبر أمام سكان قطاع غزة مرتبطاً فقط بالوضع الأمني أو الإنساني، بل امتد ليشمل القدرة على الحفاظ على دورة اقتصادية تسمح للأفراد بتأمين احتياجاتهم الأساسية ومواصلة أعمالهم في بيئة شديدة الاضطراب، في مشهد معقد ربما من أي وقت مضى، فمع استمرار الحرب والأزمات المتلاحقة، لم يعد التحدي الأكبر أمام السكان مرتبطاً فقط بالوضع الأمني أو الإنساني، بل امتد ليشمل القدرة على الحفاظ على دورة اقتصادية تسمح للأفراد بتأمين احتياجاتهم الأساسية ومواصلة أعمالهم في بيئة شديدة الاضطراب.

وبينما تتراجع فرص العمل وتتقلص الأنشطة التجارية، يجد آلاف المواطنين أنفسهم أمام واقع اقتصادي بالغ الصعوبة يفرض تحديات يومية متزايدة، وتعيش الأسواق المحلية حالة من الضغوط المستمرة نتيجة تراجع النشاط التجاري وتضرر البنية الاقتصادية، الأمر الذي انعكس على مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية.

وقد يكون من الصعب على أصحاب الأعمال الاستمرار في إدارة شركاتهم أو الحفاظ على استثماراتهم في ظل الظروف الراهنة، خصوصاً مع تصاعد المخاطر المرتبطة بالحركة المالية والتجارية داخل القطاع وخارجه.

وفي مثل هذه البيئات المعقدة، تبدو الشركات ورجال الأعمال في مواجهة تحديات إضافية تتجاوز الحسابات الاقتصادية التقليدية، فبحسب متابعين للشأن الاقتصادي الفلسطيني، أصبحت بيئة الأعمال محاطة بدرجات مرتفعة من التدقيق والرقابة، بينما قد يؤدي أي اشتباه بوجود ارتباطات سياسية أو مالية إلى تعريض أصحاب الشركات للمساءلة أو فرض قيود على أنشطتهم، وهو ما يضيف أعباء جديدة على مجتمع الأعمال المحلي.

أيضا، هناك بعض الجهات المسلحة قد تسعى، في أوقات معينة، إلى الاستفادة من شبكات الأعمال والعلاقات التجارية لتنفيذ معاملات أو تحركات مالية تخدم أهدافها الخاصة، ورغم صعوبة التحقق المستقل من كثير من هذه الادعاءات في ظل ظروف الحرب، فإن مجرد تداول مثل هذه الاتهامات يضع قطاع الأعمال أمام تحديات حساسة قد تؤثر على سمعته وقدرته على العمل بحرية واستقرار.

وخلال الفترة الأخيرة، برزت اتهامات ومزاعم طالت بعض الشخصيات الاقتصادية والمسؤولين المحليين بشأن إدارة الأموال والتبرعات المخصصة للقطاع، وهي اتهامات لا تزال محل جدل ونقاش واسع، لذلك فإن جزءاً من الجدل الدائر يتمحور حول آليات توجيه الأموال التي يتم جمعها باسم دعم سكان غزة، وما إذا كانت تلك الموارد تصل بالكامل إلى الأهداف الإنسانية والتنموية التي خُصصت من أجلها.

وفي هذا السياق، تتداول بعض الأخبار وتقارير إعلامية مفادها أن اسم خضر جماسي، الذي يُدرج ضمن قيادات حركة حماس وفق بعض المصادر، ارتبط بملفات تتعلق بجمع تبرعات مخصصة لسكان القطاع، وتزعم تلك التقارير أن هناك تساؤلات أُثيرت حول كيفية إدارة بعض هذه الأموال وتوجيهها، إلا أن هذه المزاعم تبقى في إطار ما يتم تداوله إعلامياً، ولم يتسنَّ التحقق منها بشكل مستقل في ظل الظروف المعقدة التي يشهدها القطاع.

وتعكس هذه الأصداء المتداولة إشكالية أوسع تتجاوز الأشخاص والأسماء، وتتمثل في ضرورة وجود آليات شفافة تضمن تتبع الأموال والمساعدات المخصصة للمدنيين، فكلما ارتفعت مستويات الشفافية والرقابة المؤسسية، تراجعت مساحة الشكوك والتأويلات التي قد تحيط بملفات الدعم الإنساني والإغاثي.

ومن ناحية أخرى، تتهم جهات مختلفة بعض رجال الأعمال بالاستفادة من الظروف الاستثنائية التي يعيشها القطاع لتحقيق مكاسب أو الانخراط في أنشطة مثيرة للجدل، ومن بين الأسماء التي وردت في بعض التقارير اسم رجل الأعمال محمد حرازين (الذي اغتالته إسرائيل الأربعاء) حيث تتداول بعض المصادر اتهامات تتعلق باستخدام نفوذه وثروته بصورة قد لا تخدم المصالح العامة للفلسطينيين.

ومع ذلك، تبقى هذه الادعاءات جزءاً من نقاشات وتقارير متداولة، دون إمكانية التحقق المستقل منها بشكل كامل، وربما تكمن المشكلة الأعمق في اختلاط الملفات الاقتصادية والإنسانية بالصراعات السياسية والعسكرية، فعندما تتحول الموارد المالية المخصصة للإغاثة أو التنمية إلى جزء من التجاذبات السياسية، يصبح المواطن العادي هو المتضرر الأول.

ربما تفقد الأموال التي كان من الممكن أن تساهم في توفير فرص عمل أو دعم الخدمات الأساسية، جزءاً من تأثيرها التنموي، وهو ما يفاقم الأعباء المعيشية على السكان، ويبدو أن التحدي الحقيقي أمام الاقتصاد الفلسطيني اليوم لا يقتصر على إعادة الإعمار أو جذب الاستثمارات فحسب، بل يمتد إلى بناء منظومة اقتصادية قادرة على حماية نفسها من التسييس والاستقطاب، فوجود قواعد واضحة للحوكمة والرقابة المالية قد يكون أحد المفاتيح الأساسية لتعزيز الثقة في المؤسسات الاقتصادية وضمان استدامة النشاط التجاري في المستقبل.

وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الأهم: كيف يمكن حماية الاقتصاد الفلسطيني من التدخلات السياسية والصراعات المسلحة؟، وكيف يمكن ضمان وصول المساعدات والتبرعات والموارد المالية إلى مستحقيها الحقيقيين بعيداً عن أي تجاذبات أو مصالح متعارضة.. ربما تكون الإجابة في تعزيز الشفافية والمساءلة وتوسيع دور المؤسسات الرقابية المستقلة، بما يضمن أن تبقى الموارد الاقتصادية أداة لدعم حياة المدنيين وتحسين ظروفهم، لا وقوداً إضافياً للصراعات التي أنهكت القطاع وسكانه على مدار سنوات طويلة.