الأزمة المالية 'تدفن' مشروع التجنيد الإلزامي في العراق
بغداد - عاد ملف التجنيد الإلزامي إلى واجهة النقاش في العراق مجددا، في وقت يرى العديد من المتابعين والخبراء الاقتصاديين أن المبادرة ''ولدت ميتة'' في ظل الأزمة المالية التي تخنق البلاد نتيجة التراجع الحاد في الإيرادات النفطية، وسط دعوات متزايدة لتوجيه الموارد نحو معالجة الفقر وتنويع الاقتصاد بدلاً من إضافة أعباء جديدة على الموازنة العامة.
ورغم أن أنصار المشروع يقدمونه باعتباره وسيلة لتعزيز الهوية الوطنية وتنمية قدرات الشباب ورفد المؤسسات العسكرية بعناصر مدربة، إلا أن العقبات المالية والسياسية والإدارية ما تزال تحول دون خروجه إلى حيز التنفيذ، بعدما تعثر تمريره على مدى دورات برلمانية متعاقبة.
ونقلت وكالة ''بغداد اليوم" عن الخبير في الشؤون الأمنية أحمد بريسم قوله إن "القانون طُرح خلال أربع دورات برلمانية، بما فيها الدورة الخامسة، قبل أن يعاد تأجيله بسبب الخلافات بين القوى السياسية بشأن عدد من بنوده"، مشيراً إلى أن الدورة السادسة شهدت السيناريو نفسه.
وبحسب بريسم، فإن الوضع المالي الحساس للبلاد يعد من أبرز الأسباب التي تحول دون المضي بالمشروع، إذ يتطلب تطبيقه توفير غطاء مالي كبير لتأمين مراكز الاستقبال والتدريب والتجهيزات ورواتب المجندين، فضلاً عن إنشاء بنية تنظيمية وإدارية متكاملة تشمل معسكرات ومكاتب تجنيد في مختلف المحافظات.
وتأتي هذه التحفظات في وقت يواجه فيه العراق تحديات اقتصادية متزايدة، إذ يعتمد بصورة شبه كاملة على إيرادات النفط، بينما تعاني البلاد من ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وتراجع مساهمة القطاعات الإنتاجية غير النفطية، ما دفع عدداً من الأصوات السياسية والاقتصادية إلى اعتبار أن الأولوية ينبغي أن تمنح لبرامج التنمية والاستثمار وخلق فرص العمل.
ويرى منتقدو المشروع أن تخصيص مليارات الدنانير لإعادة العمل بالخدمة العسكرية الإلزامية لن يسهم في معالجة الأزمات البنيوية التي يعاني منها الاقتصاد العراقي، بل قد يفاقم الضغوط على المالية العامة في وقت تحتاج فيه البلاد إلى استثمارات في قطاعات الصناعة والزراعة والبنية التحتية والتعليم.
كما يشير هؤلاء إلى أن مواجهة الفقر المتفشي وتحفيز الاقتصاد وتنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط تمثل تحديات أكثر إلحاحاً من إعادة إحياء قانون ألغي العمل به بعد عام 2003، عندما انتقلت المؤسسات العسكرية والأمنية إلى الاعتماد على نظام التطوع والعقود.
وإلى جانب العامل المالي، لا تزال الخلافات السياسية تشكل عقبة إضافية أمام المشروع، إذ تتمسك بعض القوى بإدخال تعديلات واسعة على القانون، فيما تفضل أطراف أخرى الإبقاء على نموذج العقود المعتمد حالياً في المؤسسات الأمنية، باعتباره أقل كلفة وأكثر انسجاماً مع الإمكانات المتاحة.
ويؤكد بريسم أن إقرار القانون لا يقتصر على التصويت داخل البرلمان، بل يتطلب وجود منظومة متكاملة قادرة على إدارة الملف بكفاءة، مرجحاً عدم تمرير المشروع خلال عام 2026، مع إمكانية إعادة طرحه مجدداً في 2027 إذا ما توفرت التوافقات السياسية والموارد المالية اللازمة.
وبين الرهانات المرتبطة بتعزيز الانتماء الوطني والاعتراضات التي تضع الأولويات الاقتصادية والاجتماعية في المقدمة، يظل مشروع التجنيد الإلزامي في العراق رهينة أزمة مالية خانقة وانقسامات سياسية مستمرة، ما يجعل فرص إحيائه في المستقبل القريب محدودة، فيما تبدو مطالب توجيه الأموال نحو مكافحة الفقر وتنويع الاقتصاد أكثر إلحاحاً بالنسبة لبلد نفطي ما زال يبحث عن مخرج من أزماته المزمنة.