'ثورة الشيخ بشير الحارثي'.. المقاومة بعيون جلادها
عمّان - يمثل كتاب "ثورة الشيخ بشير الحارثي.. انتفاضة عُمانية في شرق إفريقيا ضدّ الاستعمار الألماني (1888–1891م)" للباحث الألماني "روخوس شميدت"، والذي ترجمه إلى العربية محمد بن عبدالله بن حمد الحارثي، وثيقة سردية كثيفة تكشف طبقات الصراع السياسي والعسكري والاقتصادي في شرق إفريقيا أواخر القرن التاسع عشر، وتعيد وضع ثورة الشيخ بشير الحارثي في قلب المشهد بوصفها واحدة من أهم لحظات المقاومة ضد مشروع استعمارٍ صاعد.
يضم الكتاب الصادر عن "الآن ناشرون وموزعون" في الأردن (2026)، مقدّمة للمترجم، وكلمة تمهيدية للمؤلف، وخريطة للمنطقة الساحلية الشمالية لشرق إفريقيا "الألمانية"، ثم يتوزع على سبعة عشر فصلاً، يبدأها المؤلف بمقدّمة تأسيسية، ويختمها بفصل عن حملة "أمين باشا" وما ترتّب عليها من نتائج سياسية وعسكرية، كما يرد في متن الكتاب إشارات إلى وثائق ومعاهدات وتفاصيل إدارية وعسكرية، وقد أُثريت النسخة العربية بالصور والوثائق والهوامش التي تساعد على قراءة النص في سياقه التاريخي.
وفي فقرة تمهيدية تكشف نبرة المؤلف وأهدافه، يصرّح شميدت بأنّه يسعى إلى كتابة "تاريخ شامل" للصراع، استناداً "إلى الحقائق التاريخية" إلى جانب "سنواتٍ من التجربة الشخصية"، ويضيف أنّ الكتاب يريد "إظهار أنّ ما بُذل من تضحيات كان مبرّراً".
ويعرض الفصل الأول خلفيات اندفاع ألمانيا نحو الاستعمار عبر الشركات الخاصة والامتيازات، ويشرح كيف تمّ تسييس التجارة وتحويلها إلى ذريعة للسيطرة. وفي هذا الفصل يختصر المؤلف منطق التوسع الاستعماري باعتباره امتداداً لمعادلات القوة في أوروبا، فيقول: "أثمر هذا الموقع القوي تنميةً صناعيّة غير متوقّعة استحدثت بدورها مطالب لإنشاء أسواق تصدير جديدة خارج ألمانيا"، ثم يربط ذلك بفكرة "الوعي القومي" والحاجة إلى مستعمرات تُتيح "استغلال الموارد الاقتصادية الهائلة". ويذهب أيضاً إلى إبراز الدور المحوري للتجارة العربية في الداخل الإفريقي، مؤكداً أنّ "العرب لا يزال بالإمكان اعتبارهم المُشغّلين الوحيدين لهذه الحركة التجارية؛ إنّهم تجّار لا نظير لموهبتهم التجارية في إفريقيا"، وهو توصيف يفتح للقارئ نافذة على طبيعة التنافس الذي سيقود لاحقاً إلى الانفجار الكبير.
ثم ينتقل المؤلف في الفصل الثاني الذي يحمل عنوان "تطوُّر التمرّد وتعيين المُفوّض الإمبريالي،" إلى لحظة الشرارة، فيربط الانتفاضة بما ترتّب على اتفاقيات الجمارك وتحوّل الشركة إلى سلطة سيادية. وهو يشرح أن السُّكان العرب في الساحل رأوا في الإدارة الجديدة تهديداً مباشراً لهويتهم ومصالحهم، فيقول: "لم يكن العرب مُستعدّين للخضوع إلى أجانب، واعتبروا ممارسة الحقوق السياديّة مجرّد بدايةٍ لإخضاعهم التام للحُكم الألماني".
ويضيف أن هواجس الرقّ والتجارة والمنافسة زادت التوتر، إلى أن تحوّل الغضب إلى تمرّد واسع فرض على ألمانيا أن "تُعيد ترتيب أدواتها وتعيّن مفوضاً إمبرياليّاً وتدفع ثمن تدخلها العسكري".
ويواصل الكتاب الذي يقع في 424 صفحة من القطع الكبير، رسم صورة آلة الاستعمار وإدارتها، فيعرض فصولاً عن تنظيم القوات والاشتباكات الأولى وإدارة فيسمان، وصولاً إلى سردٍ متشعب لتفاصيل الحملة العسكرية وما رافقها من تغيّرٍ في الاستراتيجيات، وتبدّل أدوار القوى المحلية، وأسر الشيخ بشير الحارثي، وما تبع ذلك من إعادة تشكيل النفوذ على الساحل. ويبرز في المتن توصيفات دقيقة للبنى العسكرية، وتحوّل الكتائب والرتب، ودور "العسكر" من الجنود الأفارقة في المعارك الأولى، بما يكشف عن منطق استعمارٍ يعتمد على القوة وعلى إعادة هندسة المجتمع المحلي من الداخل.
وفي الفصل السابع عشر "حملة أمين باشا"، يأتي الختام بوصفه قراءةً لمرحلة تتجاوز لحظة الثورة ذاتها نحو ما بعدها، إذ يرى المؤلف أنّ هذه الحملة شكّلت دافعاً لتوسيع النفوذ الألماني وتعزيز مشروع المستعمرة. فيقول شميدت: "وكما أثبتت الأحداث، اكتست حملة أمين باشا أهميةً خاصة من ناحية تعزيزها لتطوُّر شرق إفريقيا الألمانية، ويمكن أن يُنسب إليها الفضل في توسيع نطاق نفوذ ألمانيا إلى منطقة (البحيرات العظمى)"، ويضيف أن توقيت الحملة جاء في لحظة "هدوء نسبي" بعد استتباب الأمن في الشمال وقبل إعادة غزو الجنوب.
وبينما يقدّم الكتاب سرداً من داخل المنظور الألماني، فإن قيمته للقارئ العربي تكمن في أنه يضع ثورة الشيخ بشير الحارثي في قلب التوثيق، ويكشف كيف قرأ المستعمرون هذه الانتفاضة، وكيف تحوّلت المقاومة إلى نقطة مفصلية في رسم سياسات القوة والمعاهدات والتحالفات، مقدّماً مادة غنية للباحثين والقراء المهتمين بتاريخ الحضور العُماني في شرق إفريقيا، وبسرديات المقاومة التي كثيراً ما كُتِبت بعيون الآخر قبل أن تُستعاد بأصواتٍ أقرب إلى الحقيقة.