هل انتهى عصر الشيخوخة؟
واشنطن ـ أعلنت شركة التكنولوجيا الحيوية الأميركية 'لايف بيوساينسز' في التاسع من الشهر الجاري، عن إطلاقها أول تجربة سريرية من نوعها على مستوى العالم، تستهدف تطبيق ما بات يُعرف علميا بـ'عكس الشيخوخة'، أو بمعنى أدق، إعادة برمجة الخلايا البشرية لتستعيد خصائصها الشبابية وتتجدد من الداخل.
وقد أعلن الفريق البحثي في الشركة أنه في اليوم ذاته تم إعطاء أول مريض بشري جرعة من العلاج الجيني، وهو مريض يعاني من مرض الجلوكوما المعروف شعبيا بـ'المياه الزرقاء'، في سابقة طبية لم تشهدها البشرية من قبل.
مرض الجلوكوما أو 'المياه الزرقاء' هو حالة مرضية تصيب العصب البصري، وهو الناقل العصبي الرئيسي للمعلومات البصرية بين العين والدماغ.
وتتعرض ألياف هذا العصب لتلف تدريجي ومتراكم، ينتهي في أغلب الأحيان بفقدان جزئي أو كلي للبصر. وما يجعل هذا المرض تحديا علميا استثنائيا هو أن الخلايا العصبية في العصب البصري تُصنَّف ضمن أكثر أنواع الخلايا البشرية مقاومةً للتجدد، إذ لا تملك في العادة القدرة على إصلاح نفسها بعد التلف، خلافاً لكثير من أنسجة الجسم الأخرى.
وهنا تكمن قيمة ما تقدمه شركة 'لايف بيوساينسز': محاولة كسر هذه القاعدة البيولوجية بإعادة برمجة هذه الخلايا، لا لإصلاحها فحسب، بل لإعادتها إلى حالة وظيفية أشبه بما كانت عليه في مرحلة الشباب، ما قد يفتح الباب أمام استعادة جزء من البصر الضائع.
ويعتمد العلاج على المرشح العلاجي المُسمى إي آر-100، وهو علاج جيني مبتكر يقوم على تقنية الفيروس المرتبط بالغدة، وهو نوع من الفيروسات الآمنة التي يُوظّفها العلماء كناقل حيوي لحمل المعلومات الجينية إلى داخل خلايا الجسم دون إلحاق الضرر بها.
في هذه التجربة، يحمل الفيروس ثلاثة جينات محددة تُزرع داخل خلايا العصب البصري، بهدف إعادة ضبط ساعتها البيولوجية وتحفيزها على العمل بكفاءة مماثلة لكفاءة الخلايا الشابة.
ولا تنبع هذه التقنية من فراغ، بل تستند إلى دراسة علمية رائدة نُشرت عام 2020 أجراها فريق من كلية الطب بجامعة هارفارد بقيادة العالم ديفيد سينكلير، أحد أبرز الأصوات العلمية العالمية في مجال أبحاث الشيخوخة.
كشفت الدراسة عن قدرة هذه التقنية على استعادة جزء من البصر لدى الفئران المصابة بالجلوكوما والشيخوخة، من خلال إعادة تجديد أعصابها البصرية. وبعد سنوات من التجارب الممتدة على القوارض والقرود، التي أثبتت فعالية واعدة وسلامة مقبولة، قررت الشركة الانتقال إلى المرحلة الأكثر جرأةً وهي اختبار التقنية على الإنسان لأول مرة في التاريخ.
ويأتي هذا الإعلان في سياق سباق علمي واستثماري متسارع، تتنافس فيه كبرى شركات الأدوية العالمية على امتلاك ناصية أبحاث الشيخوخة. فقد توسعت شركات عملاقة مثل 'إيلي ليلي' و'نوفارتس' في ضخ استثمارات ضخمة من خلال شراكات استراتيجية مع شركات متخصصة في الذكاء الاصطناعي وعلم تحليل البيانات الحيوية، بهدف اكتشاف علاجات جديدة للأمراض المرتبطة بالتقدم في العمر، من أمراض القلب والأوعية الدموية إلى الخرف والزهايمر وصولاً إلى السرطان.
وفي آسيا، لا يقف قطاع التكنولوجيا الحيوية الكوري الجنوبي مكتوف الأيدي، إذ يشهد نشاطا متصاعدا في هذا الميدان عبر تطوير أدوية السمنة من فئة جي إل بي-1، وهي أدوية تعمل على تنظيم مستوى السكر في الدم وتحفيز الشعور بالشبع، وقد كشفت الدراسات الحديثة عن آثارها المحتملة في الوقاية من أمراض الكبد الدهني وبعض أنواع السرطان وأمراض القلب، إضافة إلى أبحاث واسعة في مجالي الخرف والزهايمر.
لقد بات واضحا، أن 'عكس الشيخوخة' لم يعد حلما فلسفيا أو ترفا علميا مقتصرا على النخب الثرية، بل تحوّل إلى أحد أكثر الميادين الطبية جدية وإلحاحاً في القرن الحادي والعشرين.
الخطوة التي أقدمت عليها شركة لايف بيوساينسز اليوم قد تكون، بحسب كثير من العلماء، بداية فصل جديد في تاريخ الطب البشري.