من السينما إلى التطبيقات الذكية: كيف تراهن الإمارات على اقتصاد المستقبل؟
لم تعد الثروة في العالم المعاصر تقاس فقط بما تمتلكه الدول من موارد طبيعية أو بنية صناعية تقليدية، بل أصبحت المعرفة والتكنولوجيا والإبداع من أهم مصادر النمو الاقتصادي وأكثرها قدرة على صناعة فرص جديدة للتنمية.
وخلال السنوات الأخيرة، نجحت دولة الإمارات في تقديم نموذج مختلف في المنطقة يقوم على الاستثمار المتوازي في الاقتصاد الرقمي والصناعات الإبداعية باعتبارهما قطاعين متكاملين قادرين على دعم التنويع الاقتصادي وتعزيز تنافسية الدولة في عالم يتغير بوتيرة متسارعة.
ويكشف خبران صدرا خلال الأيام الماضية عن ملامح هذا التوجه بوضوح؛ ففي الوقت الذي أعلنت فيه الجهات المختصة تحقيق قطاع السينما في الإمارات إيرادات بلغت 734 مليون درهم خلال عام 2025، واصلت دبي خطواتها لدعم الاقتصاد الرقمي من خلال مساندة إطلاق تطبيقات ومنصات تقنية جديدة تعزز منظومة الابتكار والتحول الرقمي.
ورغم أن الخبرين يبدوان للوهلة الأولى منفصلين، فإنهما في الحقيقة يعبران عن رؤية واحدة تستهدف بناء اقتصاد قائم على المعرفة والإبداع والتكنولوجيا؛ فالسينما اليوم لم تعد مجرد صناعة ترفيهية، بل تحولت إلى قطاع اقتصادي متكامل يضم الإنتاج، والتوزيع، والتسويق، والتقنيات الرقمية، وخدمات البث، والمنصات الإلكترونية، وسلاسل واسعة من الأنشطة المرتبطة بها.
وقد شهدت دور العرض السينمائي في الإمارات خلال العام الماضي إقبالاً لافتاً انعكس في تحقيق إيرادات وصلت إلى 734 مليون درهم، وهو رقم يؤكد المكانة التي باتت تحتلها الدولة على خريطة صناعة الترفيه في المنطقة. ولا تقتصر أهمية هذه الأرقام على حجم العائدات المالية فحسب، بل تمتد إلى ما تعكسه من حيوية السوق الثقافي والإبداعي، وقدرته على جذب الاستثمارات، وتوفير فرص العمل، ودعم الأنشطة المرتبطة بالصناعات الثقافية.
وتنظر دول عديدة حول العالم إلى الصناعات الإبداعية باعتبارها أحد أسرع القطاعات نمواً خلال العقود الأخيرة، حيث تسهم في دعم الاقتصاد، وتطوير السياحة، وتعزيز القوة الناعمة للدول في الوقت نفسه. ومن هذا المنطلق، عملت الإمارات خلال السنوات الماضية على تطوير بيئة جاذبة للإنتاج السينمائي والفني من خلال بنية تحتية متقدمة، ومناطق إعلامية متخصصة، وتشريعات داعمة للاستثمار في القطاع الإبداعي. كما ساعدت هذه البيئة على استقطاب شركات الإنتاج العالمية والإقليمية، وتنظيم مهرجانات وفعاليات ثقافية وفنية عززت من حضور الإمارات كمركز إقليمي للصناعات الإبداعية.
لكن الرهان الإماراتي لا يتوقف عند حدود الثقافة والفنون؛ ففي موازاة ذلك، تواصل الدولة استثماراتها المكثفة في الاقتصاد الرقمي باعتباره أحد أهم محركات النمو في المستقبل. وقد أصبح التحول الرقمي جزءاً أساسياً من الرؤية الاقتصادية الإماراتية التي تسعى إلى بناء اقتصاد أكثر مرونة واستدامة يعتمد على الابتكار، والتكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، جاء دعم مؤسسة دبي للاقتصاد الرقمي لإطلاق تطبيقات ومنصات تقنية جديدة، بما يعكس حرص الإمارة على تشجيع رواد الأعمال والمبتكرين، وتوفير بيئة تسمح بتحويل الأفكار إلى مشروعات قادرة على النمو والمنافسة. وتكتسب هذه المبادرات أهمية خاصة في ظل التحولات العالمية المتسارعة نحو الاقتصاد الرقمي، حيث تشير التقديرات الدولية إلى أن نسبة متزايدة من الناتج الاقتصادي العالمي ستعتمد خلال السنوات المقبلة على الخدمات الرقمية، والبيانات، والذكاء الاصطناعي، والتطبيقات الذكية.
وتسعى دبي إلى ترسيخ مكانتها ضمن أبرز المدن العالمية في هذا المجال عبر توفير بنية تحتية رقمية متطورة، وتشريعات مرنة، ومبادرات تستهدف استقطاب المواهب والشركات الناشئة من مختلف أنحاء العالم.
واللافت أن العلاقة بين الاقتصاد الرقمي والصناعات الإبداعية أصبحت أكثر قوة من أي وقت مضى؛ فالسينما نفسها أصبحت تعتمد على التكنولوجيا الحديثة في الإنتاج، والتوزيع، والتسويق، كما أن المنصات الرقمية وتطبيقات الهواتف الذكية باتت جزءاً أساسياً من تجربة الجمهور في استهلاك المحتوى الثقافي والترفيهي. ولذلك لم يعد من الممكن الفصل بين القطاعين كما كان الحال في السابق؛ فالتكنولوجيا أصبحت أداة لتطوير الصناعات الإبداعية، بينما توفر هذه الصناعات بدورها فرصاً واسعة أمام الشركات الرقمية لتطوير منتجات وخدمات جديدة.
ومن هنا يمكن فهم الاستراتيجية الإماراتية باعتبارها محاولة لبناء منظومة متكاملة تجمع بين الإبداع والابتكار؛ فالدولة لا تستثمر في السينما لأنها قطاع ثقافي فقط، ولا تدعم التطبيقات الرقمية لأنها قطاع تقني فقط، بل لأنها تنظر إلى كليهما بوصفهما عناصر أساسية في اقتصاد المستقبل.
وتأتي هذه الجهود في إطار رؤية أوسع تستهدف تعزيز مساهمة القطاعات غير النفطية في الاقتصاد الوطني، وتوسيع قاعدة الأنشطة الإنتاجية القادرة على تحقيق النمو المستدام. وقد نجحت الإمارات بالفعل خلال السنوات الماضية في تحقيق خطوات مهمة في هذا الاتجاه من خلال دعم الشركات الناشئة، وتطوير التشريعات الاقتصادية، واستقطاب الاستثمارات العالمية في مجالات التكنولوجيا، والإعلام، والصناعات الإبداعية. كما عززت الدولة حضورها في مجالات الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والخدمات الذكية لتصبح من بين أكثر الدول العربية تقدماً في تبني التقنيات الحديثة وتوظيفها في دعم التنمية.
ويؤكد خبراء الاقتصاد أن الدول التي ستنجح في العقود المقبلة هي تلك القادرة على الاستثمار في الإنسان، والمعرفة، والابتكار، أكثر من اعتمادها على الموارد التقليدية، وهو ما يبدو واضحاً في التجربة الإماراتية التي تراهن على بناء اقتصاد متنوع يعتمد على الأفكار، والمهارات، والتقنيات الحديثة بوصفها مصادر جديدة للقيمة المضافة.
وبينما تعكس إيرادات السينما قوة قطاع ثقافي وإبداعي آخذ في التوسع، فإن المبادرات الرقمية الجديدة تكشف عن إصرار على مواصلة التحول نحو اقتصاد أكثر ذكاءً وابتكاراً. وفي النهاية، لا تبدو هذه الخطوات مجرد إنجازات منفصلة بقدر ما تمثل ملامح مشروع متكامل يهدف إلى إعداد الاقتصاد الإماراتي لمتطلبات المستقبل، حيث تتداخل التكنولوجيا مع الثقافة، ويصبح الإبداع محركاً للنمو، وتتحول المعرفة إلى أحد أهم الأصول الاستراتيجية في بناء التنمية المستدامة.