نقوش السمارة.. كتاب خالد في صحراء المغرب
الراط ـ يزخر إقليم السمارة في صحراء المغرب بإرث أثري استثنائي يمتد عبر آلاف السنين، ويتجلى في مئات النقوش الصخرية والرسوم الصباغية المنتشرة على واجهات الصخور والأودية، لتشكّل متاحف مفتوحة في قلب الصحراء المغربية، وسجلات مرئية لا تُقدَّر عن حياة الإنسان القديم في هذه الربوع.
تنتشر هذه اللوحات الحجرية على طول الأودية والمنحدرات، وتبرز في مقدمتها مواقع بارزة كـ'العصلي بوكرش' الذي يضم مجموعات نادرة من النقوش المتقنة، ووادي 'تيغرت والقصابي' الغني بالواجهات الصخرية المحفورة التي تروي تفاصيل الحياة اليومية للمجموعات الرعوية الأولى.
ويُضاف إليها حوض 'الساقية الحمراء'، ذلك الحوض المائي القديم الذي استقطب الاستقرار البشري الكثيف عبر العصور المتعاقبة.
وتكشف هذه النقوش المحفورة في الصخور الصلبة عن بيئة مغايرة تماما لما تبدو عليه المنطقة اليوم، إذ رسم الإنسان القديم فيلة وزرافات وظباء ونعاما إلى جانب الأبقار بأسلوب 'تازينا' المصقول، مما يُثبت أن هذه الأراضي كانت سافانا خضراء رطبة.
وتتضمن هذه اللوحات أيضاً مشاهد من الصيد والمواكب والطقوس الجماعية، فضلاً عن رموز شمسية وأجرام سماوية تعكس اهتمام الساكنة القديمة بعلم الفلك ورصد النجوم.
يُقدّر الباحثون أن هذه النقوش تعود إلى ما بين ثمانية آلاف وأربعة آلاف سنة قبل الميلاد، وأن صناعة الأدوات الحجرية تُمثّل أقدم طبقاتها الزمنية، إذ تؤرّخ بعض القطع لفترة العصر الحجري القديم الأسفل، ويمتد هذا الإرث كرونولوجياً عبر العصر الحجري الأوسط وصولاً إلى الحجري الحديث.
ينقسم الفن الصخري في إقليم السمارة إلى نوعين رئيسيين؛ يشمل الأول النقوش المحفورة والمصقولة على الصخر، وتحتضن المنطقة منه أكثر من 175 موقعا، بينما يتمثل الثاني في الرسوم الصباغية التي تعتمد الألوان الطبيعية على الجدران.
وتضم المنطقة نحو 25 موقعا من هذا النوع النادر الذي يظل أكثر عرضةً للتلف والزوال بفعل عوامل التعرية والتشويه.
وتتميز هذه الرسوم الصباغية باحتوائها على مواد عضوية في مكوناتها، مما يتيح تحديد تاريخها بدقة في المختبرات، ويبرز في هذا السياق موقع 'الفارسية' بوصفه أحد أبرز مواقعها في الجهة.
أوضح مفتش المعالم والمواقع التاريخية بالمديرية الجهوية للثقافة بجهة العيون الساقية الحمراء، عبد الإلاه أوغنان، أن إقليم السمارة يحتل مكانة متميزة على المستوى الوطني في مجال التراث الأثري.
وقال في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء إن السلطات المختصة قيّدت 22 موقعاً للنقوش الصخرية والرسوم الصباغية، إضافةً إلى المعلمة التاريخية 'دار حوزة'، ضمن لائحة التراث الوطني.
وأضاف أن الجهات المعنية تُعدّ حالياً ملفات تقنية لستة مواقع جديدة تمهيدا لتسجيلها، مشيرا إلى أن المديرية أنجزت إحداث أربع محافظات للمواقع الأثرية وأجرت ترميم "دار حوزة"، علاوةً على تنظيم زيارات بيداغوجية لفائدة التلاميذ والطلبة والباحثين.
من جهته، أكد ممثل المركز الوطني للتراث الصخري والمحافظ بالمديرية الإقليمية للثقافة بالسمارة، بيبا محمد مولود، أن هذا التراث يُجسّد جسرا حيا يصل الحاضر بالماضي السحيق، ويُعبّر عن الهوية الثقافية الأصيلة للمنطقة.
وأشار إلى أن النقوش تكشف عن تحولات عميقة في أنماط عيش المجتمعات، من الصيد والقنص إلى الرعي والترحال، وأن الإنسان القديم عبّر من خلالها عن علاقته العضوية بالأرض والبيئة.
وتظهر هذه النقوش في أشكال هندسية مبسطة تعتمد زوايا على شكل حرف 'V'، تحافظ رغم تبسيطها على الملامح الجوهرية للعناصر المرسومة.
يُضاف إلى هذا الرصيد الأثري الغني عدد من المعالم الجنائزية السابقة للإسلام، وفي مقدمتها المدافن الركامية أو التلال الجنائزية التي تشهد على الممارسات الدفنية للمجتمعات القديمة في الصحراء المغربية.
وتُواصل حملات الجرد والتوثيق كشف مواقع جديدة، في حين تبقى الخريطة الأثرية الكاملة للإقليم مفتوحة على اكتشافات مقبلة، لا سيما أن المنطقة لم تخضع بعد لمسح شامل ومنهجي.
تُشكّل هذه الثروة الأثرية مجتمعةً رافداً واعداً لتطوير مسار ثقافي وسياحي متكامل بجهة العيون الساقية الحمراء، قادر على تحويل هذه المواقع إلى وجهات معرفية تستقطب الباحثين والسياح من شتى أنحاء العالم، وتُسهم في التنمية المستدامة للإقليم.