لماذا سارع ترامب إلى توقيع الاتفاق مع إيران

إسرائيل بقيت منفردة في رغبتها في إطالة أمد النزاع مع طهران لإضعاف خصومها الإقليميين، معتبرة أن إنهاء الحصار البحري وإعادة فتح الممرات المائية يمنحان إيران طوق نجاة ماليا.

واشنطن - يثير التحول الأميركي المفاجئ في سرعة التعاطي مع الأزمة مع ايران واستباق الرئيس دونالد ترامب للقاء جنيف بالتوقيع الكترونيا على مذكرة التفاهم، أسئلة حول هذا التحول وتوقيته، وسط مخاوف من ركود مالي عالمي قد تثيره قفزات أسعار الطاقة وارتفاع تكاليف الشحن البحري.

وفي المقابل، تبدو إسرائيل منفردة في رغبتها في إطالة أمد النزاع المسلح لإضعاف خصومها الإقليميين، معتبرة أن إنهاء الحصار البحري وإعادة فتح الممرات المائية يمنحان طهران طوق نجاة ماليا.

ودفع هذا التباين واشنطن وتل أبيب إلى نقاشات سرية، تسعى من خلالها الدوائر السياسية والأمنية الإسرائيلية إلى احتواء تداعيات ما تصفه بـ"وثيقة الاستسلام الكامل".

افتراق استراتيجي

وفي هذا السياق، قال الخبير العسكري الأردني قاصد أحمد إن "الخلفية الأساسية للموقف الإسرائيلي من مذكرة التفاهم واضحة، وهي مبنية على أن الولايات المتحدة غادرت مربع الشراكة مع إسرائيل في مواجهة التهديد الإيراني وحلفائه في الإقليم"، معتبرا أن "واشنطن استبدلت الاستراتيجية العسكرية لتحييد إيران وقوتها الإقليمية بالمسار السياسي".

وتابع أن "العقل الاستراتيجي الصهيوني، الذي يقوم عليه مشروع إسرائيل الكبرى، قائم على استمرار الحروب، وبقاء تل أبيب في حالة عمل عسكري دائم".

وأرجع نائب قائد الجيش الأردني الأسبق ذلك إلى أن "الدولة العبرية لا تستطيع العيش دون حروب ما دامت القضية الفلسطينية لم تُحل، والشعب الفلسطيني لا يزال تحت الاحتلال، والمقاومة قائمة".

واستطرد قائلا "بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تغيرت الأمور، وذهبت إسرائيل بعيدا في مسعى تدمير وإزاحة كل عناصر القوة التي تواجهها في الإقليم، بهدف بسط نفوذها على نطاق أوسع".

وأضاف "هنا جاءت قيمة المواجهة الكبرى، التي تتجاوز المقاومة الفلسطينية لتصل إلى إيران، باعتبارها تقود تحالفا عسكريا مرتبطا بمشروعها".

وأكمل أن "طهران بنت علاقات أساسية مع هذا التحالف، إلى درجة جعلت حلفاءها الإقليميين يقاتلون بالنيابة عنها، ومن هنا تأتي معضلة إسرائيل الكبرى، فجميع هؤلاء الحلفاء لا يزالون فاعلين ميدانيا".

وعن تفاصيل الميدان، قال أحمد "في غزة هناك اتفاق تعمل إسرائيل على تقويضه تمهيدا لإعادة احتلال القطاع، وهو الخيار البديل الذي قد تعود إليه فورا".

وذكر أن "حزب الله لا يزال يحتفظ بسلاحه ويواصل عملياته، موقعا خسائر بصورة شبه يومية، فيما يهدد اليمن طموحات إسرائيل التوسعية بقدراته بعيدة المدى، ناهيك عن فصائل العراق التي قد تتحرك بإيعاز إيراني في أي لحظة".

واعتبر أن "عناصر القوة العسكرية الإيرانية لم تقض عليها الحرب، وما زالت قائمة، فيما بات هناك التزام أميركي يفرض على إسرائيل التهدئة". ورأى أن هذا التطور يمثل "ضربة للمشروع الصهيوني وتوسعاته، كما أن الاتفاق قد يفتح الباب أمام تعميق الانقسام السياسي الداخلي في إسرائيل، في مرحلة شديدة الحساسية مع اقتراب الانتخابات".

وحول العلاقة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قال إن الأخير "لا يستطيع التمرد على واشنطن، فيما توصل الرئيس الأميركي إلى قناعة بأن كلفة الحرب على الولايات المتحدة والجمهوريين أصبحت مرتفعة للغاية".

وأضاف أن "هذه الكلفة تنطوي على تداعيات خطيرة، لا سيما على الصعيد الاقتصادي، وهو الملف الأكثر تأثيرا في المجتمع الأميركي".

ورأى أن "ترامب وجد أن الخيار الأفضل يتمثل في وقف الحرب فورا، لتحسين الصورة الداخلية للولايات المتحدة وإعادة فتح المضيق، ثم منح نفسه الوقت لقراءة البدائل".

وتابع "فترة الهدنة الممتدة لـ60 يوما ستكون اختبارا حقيقيا لمعرفة ما إذا كان نتنياهو سينجح بالفعل في تقويض الاتفاق".

وتوقع أحمد أن "يعمل نتنياهو على تخريب الاتفاق من خلال مناوشات عسكرية، خصوصا أن المطلوب منه أميركيا هو وقف العمليات، وليس الانسحاب من لبنان، على أن تُترك الانسحابات لمرحلة التفاوض".

وتنص مذكرة التفاهم على وقف الحرب في مختلف الجبهات، بما فيها لبنان الذي يتعرض لعدوان إسرائيلي متواصل منذ 2 مارس/آذار الماضي.

وتابع أحمد أن "نتنياهو سيجد دائما ذرائع للاستمرار في الحرب، وهنا يكمن الاختبار الحقيقي في مدى قبول الإيرانيين بذلك". ورأى أن "المصالح الإيرانية والأميركية التقت في هذه المذكرة عبر تنازلات متبادلة كبيرة، لكن من دون نوايا حسنة على الأرجح، وهو ما قد يبني عليه نتنياهو رهاناته المستقبلية".

ورجح أن "المفاوضات والجهود الدبلوماسية، إلى جانب الاختراق الإسرائيلي العميق للمشهد الأميركي الداخلي، ستكون العوامل الأكثر تأثيرا في تحديد مصير الاتفاق".

وعن ملامح المرحلة المقبلة، قال إن "الاستراتيجية الميدانية الإسرائيلية ستستمر، لكن التركيز سينصب بصورة أكبر على غزة والضفة الغربية، بينما ستشهد جبهة جنوب لبنان هدوءا نسبيا خلال الفترة المقبلة".

وأضاف أن "إسرائيل لن تتردد في تنفيذ عمليات تستفز حزب الله، لكن تركيزها الأساسي سيكون على توسيع الرقعة الجغرافية التي باتت تسيطر عليها في قطاع غزة".

وقال إن "ملف غزة يشهد تراجعا أميركيا في الإصرار على إنجاز اتفاقه، ما يجعل القطاع البديل الإسرائيلي المقبل"، مضيفا أن "تل أبيب ستبقى جاهزة لتنفيذ عمليات قصف بعيدة المدى في اليمن أو العراق أو سوريا". ونبه أحمد إلى أن "غزة غير مشمولة بالمذكرة، كما أن هناك قدرا من الغموض بشأن وضع بقية الجبهات، ما يجعلها نقاط احتكاك حقيقية".

وفيما يتعلق بدوافع واشنطن، قال إن "استعجال ترامب يعكس أن الولايات المتحدة تدفع الثمن الأكبر، فالضغوط الاقتصادية بدأت تتحول إلى عوامل ضغط داخلية سياسية".

وأوضح أن "هناك ضغوطا من قطاعات اقتصادية وشبه شعبية تضررت بشدة، بينها الزراعة، نتيجة ارتفاع الأسعار المرتبط بملف العمالة الأجنبية الذي قيدته إدارة ترامب".

وتساءل "فما بالك بأسعار الطاقة المرشحة للارتفاع يوما بعد يوم طالما ظل مضيق هرمز مغلقا، في وقت تشكل فيه أسعار المحروقات أحد أبرز الهواجس بالنسبة للمواطن الأميركي".

واعتبر أن "الضغوط الاقتصادية، إلى جانب غياب وضوح الأفق العسكري، بلغت مداها، ولذلك بدا ترامب أكثر استعجالا للمذكرة من طهران، لأن إيران لا تعير الزمن أهمية كبيرة، وليس لديها الكثير لتخسره بعد تدمير معظم أهدافها الاقتصادية والعسكرية، وفق الرواية الأميركية".

وأضاف أن "ترامب تلقى رسائل واضحة من بكين مفادها أن الصين لن تسمح بهزيمة إيران عسكريا بصورة كاملة".

كما أن "دول الإقليم المتضررة تمارس ضغوطا قوية على ترامب، لأنها تدفع ثمنا باهظا، في ظل محدودية الخيارات الدفاعية في منع الهجمات الإيرانية"، وفقا لأحمد.

توازن الأسواق

وقالت الخبيرة الاقتصادية البحرينية نورا الفيحاني إن ترامب "يتعامل مع الملفات الدولية بعقلية رجل الأعمال، الذي يفضل الصفقات السريعة والنتائج الملموسة على النزاعات الممتدة والمكلفة".

وعزت التوصل إلى التفاهم إلى كونه "محاولة لإغلاق ملف إقليمي معقد، وتقليص احتمالات التصعيد العسكري".

ورأت أن "وصف الاتفاق بالاستسلام أو النصر يبقى حكما سابقا لأوانه، لأن التقييم الحقيقي لا يكون عند التوقيع، بل عند التطبيق ومدى التزام الأطراف ببنوده".

وتابعت "إذا نجح الاتفاق في تقييد مصادر التوتر فسيُنظر إليه باعتباره إنجازا سياسيا، أما إذا أخفق الطرفان في الالتزام بتعهداتهما، فستعود العقوبات وربما خيارات أكثر تشددا".

لكنها اعتبرت أن "قرار ترامب توقيع المذكرة لا يرتبط فقط بتخفيف أعباء الموازنة، فالولايات المتحدة تمتلك أكبر ميزانية دفاعية في العالم، وقادرة على تحمل كلفة وجودها العسكري".

ورأت أن "العامل الأهم يتمثل في اقتناع الرئيس الأميركي بأنه حقق هدفه الرئيسي المتمثل في إضعاف القدرات الإيرانية وفرض معادلة ردع جديدة، وبالتالي لم يعد يرى مبررا لاستمرار التصعيد".

وعن الانعكاسات المباشرة، قالت إن "التهدئة ستعزز ثقة المستثمرين، وتحد من تقلبات أسواق الطاقة، وتخفض علاوات المخاطر، ما ينعكس إيجابا على الاقتصاد العالمي والمستثمر الأميركي، لكنها تبقى نتائج مترتبة على الاتفاق وليست الدافع الوحيد وراءه".

كما سلطت الضوء على "حرص دول الخليج على احتواء التصعيد ومنع تحول الأزمة إلى صراع أوسع يهدد الاستقرار الاقتصادي والأمني للمنطقة".

وعن أسواق النفط، ذكرت الفيحاني أن "استقرار الطاقة عامل رئيسي، لأن التصعيد ينعكس مباشرة على أسعار النفط وتكاليف الشحن والتأمين وسلاسل الإمداد، بما يخلق ضغوطا تضخمية عالمية وأميركية".

واستدركت قائلة "لكن أسواق الطاقة امتصت جزءا من الصدمة، وأظهرت قدرة على التكيف مع المخاطر الجيوسياسية، لذلك لا أرى النفط العامل الوحيد وراء استعجال ترامب".

ورأت أن "الدافع الأساسي للرئيس الأميركي يتمثل في رغبته بإغلاق الملف وتقديم ذلك باعتباره إنجازا سياسيا واستراتيجيا يعلن من خلاله إنجاز المهمة ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي".

وتابعت أن "واشنطن لا تنوي التخلي عن المنطقة أو تقليص حضورها بصورة جوهرية، بل ستحتفظ بوجودها العسكري وشبكة اتفاقياتها الأمنية والتجارية، فيما يتمثل هدفها الحالي في إدارة التوترات وخفض المخاطر، لا الانسحاب".

الهيمنة والاحتواء

وقال الباحث العراقي في سياسات الشرق الأوسط عبدالله الطائي إن "مذكرة التفاهم تطرح تساؤلات معقدة أكثر مما تقدم إجابات"، مضيفا أنه "على الورق نتحدث عن امتيازات للجانب الإيراني، ومطالب أميركية لا تختلف كثيرا عما طُرح خلال مفاوضات مسقط في أبريل/نيسان الماضي، فما الجديد إذن؟".

ولاحظ أن "الطموحات الإسرائيلية تختلف عن الأميركية منذ بداية الحرب، فبينما تستهدف الاستراتيجية الإسرائيلية الجغرافيا والمقدرات الإيرانية، يقتصر الطموح الأميركي على تطويع النظام بعد تراجع الرهانات على إسقاطه".

ونبه إلى أن "إسرائيل تحركت تاريخيا لإفشال أي تقارب بين واشنطن وطهران، لأن التهدئة لا تنسجم مع طموحاتها الرامية إلى الهيمنة الكاملة على المنطقة".

واستدل على ذلك بـ"سعي إسرائيل إلى فرض واقع أمني جديد يتجاوز الجغرافيا الفلسطينية نحو جنوب لبنان وسوريا، حيث تجاوزت اتفاقية فك الاشتباك لعام 1974".

وعن مهلة الستين يوما، قال إن "هذه الفترة قد تكون مجرد محاولة أميركية لخفض التصعيد، يعقبها رهان إسرائيلي على فشل الطرفين في الوصول إلى اتفاق نهائي عند الانتقال إلى المفاوضات التقنية".

وتوقع أن "تعول تل أبيب على عدم تقديم إيران تنازلات، ولن يكون مستغربا أن تقدم على خطوات ميدانية لإحراج الولايات المتحدة وتقويض خارطة الطريق المقترحة".

وعزا الطائي الإصرار الأميركي على التفاهم إلى "اعتبارات داخلية وضغوط سياسية تحيط بإدارة ترامب، فضلا عن رغبة واشنطن في تأمين الأحداث الدولية الكبرى، وتنشيط الحركة التجارية وخفض أسعار النفط".

وتحدث عن "سيناريو أميركي بديل يقوم على احتواء نفوذ إيران الإقليمي بدلا من استهدافها مباشرة، وتفكيك أوراق قوتها عبر المسار السياسي".

واستشهد بـ"تحركات المبعوث الأميركي الخاص توم باراك لحصر السلاح بيد الدولة في العراق، وتفكيك سلاح الفصائل، بالتوازي مع مساع لتقوية الحكومة في لبنان، بما يعكس تحولا نحو الاحتواء السياسي بدلا من الضغط العسكري".

وختم بالإشارة إلى "ضرورة مراقبة تحركات الأساطيل البحرية الأميركية في بحر العرب ومضيق هرمز بعد التوقيع، لتحديد ما إذا كانت الولايات المتحدة تتجه نحو تقليص وجودها العسكري، أم أن الأمر لا يعدو كونه إعادة تموضع للقوات التي كانت تشكل ضغطا على الساحل الإيراني".