تفكيك المركزية الأوروبية واستعادة أصوات الرحالة الأفارقة والعرب المنسيين

الاكتشاف يظل أحد أكثر المصطلحات حضوراً في الكتابة التاريخية الأوروبية الحديثة، فمنذ القرن الخامس عشر، جرى تقديم البحارة والرحالة الأوروبيين باعتبارهم مكتشفي العالم وصنّاع المعرفة الجغرافية، بينما وُضعت الشعوب الأخرى في موقع 'المكتشَف' أو 'الموضوع المدروس'.
مقدمة: عندما يصبح 'الاكتشاف' أداة للهيمنة

ظلّ مفهوم ''الاكتشاف'' أحد أكثر المصطلحات حضوراً في الكتابة التاريخية الأوروبية الحديثة. فمنذ القرن الخامس عشر، جرى تقديم البحارة والرحالة الأوروبيين باعتبارهم مكتشفي العالم وصنّاع المعرفة الجغرافية، بينما وُضعت الشعوب الأخرى في موقع ''المكتشَف'' أو ''الموضوع المدروس''. غير أن الدراسات التاريخية المعاصرة، خاصة أعمال المؤرخة الفرنسية كاميل لوفيفر، إلى جانب مساهمات إدوارد سعيد وفالنتين موديمبي وأشيل مبيمبي، أعادت فتح هذا الملف النقدي، متسائلة: هل اكتشف الأوروبيون حقاً تلك البلاد، أم أنهم اكتشفوها لأنفسهم فقط؟

إن هذا السؤال لا يهدف إلى إنكار أهمية الرحلات الأوروبية، بل إلى إعادة الاعتبار لملايين البشر الذين سبقوا الأوروبيين إلى معرفة أوطانهم ووصفها وتدوين تاريخها ورسم طرقها التجارية والثقافية.

أولاً: دوروغو.. الإفريقي الذي اكتشف لندن

من أبرز الأمثلة التي سلطت عليها حملة ''فرانس كالتور'' الضوء، مخطوطة ''حياة ورحلات دوروغو'' المنشورة سنة 1885.

كان جيمس هنري دوروغو شاباً من منطقة كانو في نيجيريا الحالية، وقد زار لندن سنة 1856 ودوّن مشاهداته بلغة الهوسا. والأهم من الرحلة نفسها أنه مارس ما يمكن تسميته بـ''الإثنوغرافيا المعكوسة''، حيث جعل المجتمع البريطاني موضوعاً للملاحظة والتحليل.

فقد وصف عادات الطعام، وسلوك الأسر، وطرائق اللباس، والعلاقات الاجتماعية، والأدوات المنزلية التي بدت له غريبة. وهنا يبرز السؤال النقدي: إذا كان الأوروبي الذي يزور مدينة إفريقية يسمى 'مكتشفاً'، فلماذا لا يُوصف دوروغو بأنه مكتشف لندن؟

تكشف هذه المفارقة أن مفهوم الاكتشاف لم يكن وصفاً جغرافياً محايداً، بل كان انعكاساً لعلاقات القوة التي سادت خلال الحقبة الاستعمارية.

ثانياً: تمبكتو بين الحقيقة والأسطورة الاستعمارية

يُقدَّم الرحالة الفرنسي رينيه كاييه في كثير من الكتب الأوروبية بوصفه ''مكتشف تمبكتو'' سنة 1828. غير أن هذا الوصف ينهار أمام أبسط فحص تاريخي.

فمدينة تمبكتو كانت قبل وصول كاييه بقرون مركزاً علمياً عالمياً. وقد احتضنت جامعات ومكتبات ضخمة، واستقطبت العلماء والطلاب من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.

كما أن تاريخها كان موثقاً في مصادر محلية وعربية عديدة، أبرزها:

تاريخ السودان لعبد الرحمن السعدي.

تاريخ الفتاش لمحمود كعتي.

وتثبت هذه المصادر أن سكان المنطقة لم يكونوا فقط على معرفة بمدينتهم، بل كانوا ينتجون معرفة تاريخية وجغرافية متقدمة حولها. ولذلك فإن وصف كاييه بـ''مكتشف تمبكتو'' يكشف عن تجاهل متعمد للمعرفة المحلية، أكثر مما يكشف عن حقيقة تاريخية.

ثالثاً: من العالم إلى 'المخبر'

تكشف المؤرخة كاميل لوفيفر عن آلية أخرى من آليات التهميش المعرفي، تتمثل في الطريقة التي تعاملت بها المؤسسات الأوروبية مع العلماء غير الأوروبيين.

فالعالم والطبيب الحاج أحمد الفلاتي كان يحظى بمكانة علمية كبيرة داخل مجتمعه، لكنه عندما تعاملت معه الإدارة الاستعمارية الفرنسية في تونس سنة 1892، لم يُنظر إليه باعتباره عالماً، بل باعتباره ''مخبراً'' يقدم معلومات.

لقد أنتجت أوروبا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ما يمكن وصفه بالتقسيم العنصري للعمل الفكري؛ فالأوروبي يُعدّ منتجاً للمعرفة، بينما يُختزل غير الأوروبي في دور المساعد أو الدليل أو المخبر.

ومن هنا جرى تهميش مئات الرحالة والعلماء المحليين الذين ساهموا فعلياً في رسم الخرائط وفهم المجتمعات الإفريقية والآسيوية.

رابعاً: ابن بطوطة وليون الإفريقي.. مستكشفون خارج السردية الأوروبية

قبل ظهور عصر الكشوف الجغرافية الأوروبية بقرون، كان الرحالة المغربي ابن بطوطة يجوب العالم المعروف من المغرب إلى الصين.

وقد قطع أكثر من 120 ألف كيلومتر، وسجل ملاحظاته في كتابه الشهير ''تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار''، مقدماً أوصافاً دقيقة للمجتمعات والمدن والطرق التجارية.

كما أن الحسن الوزان، المعروف في أوروبا باسم ''ليون الإفريقي''، ألّف كتاب ''وصف إفريقيا'' الذي ظل مرجعاً أساسياً للأوروبيين لقرون طويلة.

ومع ذلك نادراً ما يُدرج هذان الاسمان ضمن قوائم ''المستكشفين العظام'' في المناهج الأوروبية، رغم أن أعمالهما ساهمت في تشكيل المعرفة العالمية بالقارة الإفريقية.

خامساً: نقد المركزية الأوروبية في الفكر المعاصر

ساهم عدد من المفكرين المعاصرين في تفكيك هذا التصور الأحادي للتاريخ.

ففي كتاب ''الاستشراق''، أوضح إدوارد سعيد أن الغرب لم يكتف بدراسة الشرق، بل أنتج صورة كاملة عنه تخدم مصالحه السياسية والثقافية.

أما فالنتين موديمبي في كتاب ''اختراع إفريقيا''، فقد بيّن كيف تم بناء صورة إفريقيا داخل المؤسسات الأكاديمية الأوروبية بطريقة جعلت المعارف الإفريقية تبدو ثانوية أو غير علمية.

بينما ناقش أشيل مبيمبي استمرار هذه الهيمنة المعرفية حتى بعد نهاية الاستعمار السياسي، من خلال ما سماه إرث ''ما بعد المستعمر''.

وتتلاقى هذه الأطروحات جميعاً حول فكرة مركزية مفادها أن السيطرة على المعرفة كانت جزءاً لا يتجزأ من السيطرة على الأرض.

سادسة: من اكتشف من؟

إذا كان الوصول إلى مكان جديد يكفي لمنح صفة ''المكتشف''، فإن المنطق نفسه يقتضي أن نعتبر:

ابن بطوطة مكتشفاً لما رحل إليه ونقل إلينا إثنوغرافيا لأكثر من ثلاثمئة مدينة كبيرة.

دوروغو مكتشف العاصمة البريطانية.

ليون الإفريقي مكتشف روما.

الرحالة العرب مكتشفي غرب إفريقيا.

غير أن أحداً لا يستعمل هذه التعابير، لأن تلك المدن كانت معروفة لأهلها منذ قرون.

وهنا يتضح أن مصطلح 'الاكتشاف' لم يكن في كثير من الأحيان وصفاً لحقيقة جغرافية، بل تعبيراً عن سلطة سياسية وثقافية تجعل من رؤية الأوروبي معياراً وحيداً للاعتراف بالمعرفة.

كخاتمة: نؤكد السعي نحو تاريخ متعدد المراكز

إن إعادة قراءة تاريخ الرحلات والاستكشافات لا تهدف إلى استبدال مركزية بأخرى، بل إلى الاعتراف بتعدد مراكز إنتاج المعرفة في العالم.

فإفريقيا لم تكن أرضاً صامتة تنتظر من يصفها، والعالم الإسلامي لم يكن فضاء مجهولاً قبل قدوم الأوروبيين، كما أن آسيا امتلكت تقاليدها الخاصة في الجغرافيا والرحلات والتدوين.

لقد آن الأوان لاستعادة أصوات الرحالة الأفارقة والعرب والآسيويين الذين أُقصوا من السردية الكلاسيكية، وإعادة كتابة تاريخ الاستكشاف بوصفه تاريخاً إنسانياً مشتركاً ساهمت فيه شعوب متعددة، لا قصة بطل أوروبي واحد يحمل البوصلة ويرسم العالم من جديد.

المراجع:

Camille Lefebvre, Des pays au crépuscule.

James Henry Dorugu, Life and Travels of Dorugu (1885).

Edward Said, Orientalism (1978).

Valentin-Yves Mudimbe, The Invention of Africa (1988).

Achille Mbembe, On the Postcolony (2001).

عبد الرحمن السعدي، تاريخ السودان.

محمود كعتي، تاريخ الفتاش.

ابن بطوطة، تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار.

الحسن الوزان (ليون الإفريقي)، وصف إفريقيا.

France Culture, « En Afrique aussi, les Européens n'étaient pas les premiers explorateurs ».