اتفاق واشنطن وطهران يُعيد رسم موازين الشرق الأوسط
واشنطن - أثار الاتفاق المؤقت الذي وقعه الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان لإنهاء الحرب بين البلدين تبايناً واسعاً في التقييمات السياسية والاستراتيجية داخل الشرق الأوسط وخارجه، إذ ينظر إليه مؤيدوه باعتباره اختراقاً تاريخياً قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار، بينما يراه خصوم إيران تحولاً استراتيجياً يمنح طهران شرعية ونفوذاً أكبر في الإقليم.
ويكتسب الاتفاق أهمية استثنائية لكونه أول تفاهم مباشر يوقعه رئيس أميركي ورئيس إيراني منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979، الأمر الذي دفع بعض المراقبين إلى وصفه بـ"صفقة القرن". كما أن توقيعه بعد حرب استمرت ثلاثة أشهر بين الطرفين يضفي عليه بعداً سياسياً يتجاوز مجرد وقف إطلاق النار إلى إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية والدولية المرتبطة بالملف الإيراني.
وينص الاتفاق المؤلف من 14 بنداً على تمديد وقف إطلاق النار لمدة ستين يوماً، بما يشمل الساحة اللبنانية، لإتاحة الفرصة أمام مفاوضات أوسع تتناول الملفات العالقة، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني وآليات التوصل إلى تسوية دائمة بين الجانبين.
ويرى مؤيدو الاتفاق أن نجاح واشنطن وطهران في الانتقال من المواجهة العسكرية إلى طاولة التفاوض يمثل تحولاً مهماً قد يجنّب المنطقة صراعاً أوسع كانت تداعياته ستنعكس على أمن الطاقة والاقتصاد العالمي.
ويعتبر بعض المحللين أن الاتفاق يعكس إدراكاً متبادلاً لدى الطرفين بأن استمرار الحرب لم يعد يخدم مصالحهما، فإيران تواجه ضغوطاً اقتصادية كبيرة نتيجة العقوبات وتكاليف الحرب، بينما تسعى إدارة ترامب إلى تجنب الانخراط في نزاع طويل ومكلف، خصوصاً في ظل التداعيات الاقتصادية التي طالت أسواق الطاقة والاقتصاد الأميركي.
في المقابل، تبدو إسرائيل من أكثر الأطراف قلقاً إزاء مخرجات الاتفاق، فبحسب منتقديه داخل الأوساط الإسرائيلية، فإن ما كان يُنظر إليه سابقاً باعتباره فرصة لإضعاف إيران أو تقليص نفوذها الإقليمي انتهى إلى اعتراف أميركي عملي بالنظام الإيراني وإعادة دمجه في ترتيبات إقليمية جديدة.
ويرى محللون إسرائيليون أن الاتفاق لم يتضمن قيوداً واضحة على برنامج الصواريخ الإيراني أو على شبكة الحلفاء الإقليميين المرتبطين بطهران، كما أنه لم يقدم خارطة طريق واضحة لتفكيك البنية النووية الإيرانية.
وتتجاوز التداعيات الجانب العسكري لتطال المشهد السياسي أيضاً، إذ يرى مراقبون أن الاتفاق يحد من قدرة إسرائيل على فرض رؤيتها تجاه الملف الإيراني، ويكشف وجود تباينات بين أولويات واشنطن وتل أبيب في المرحلة الحالية. كما أن إدراج لبنان ضمن ترتيبات وقف إطلاق النار يمنح الاتفاق بعداً إقليمياً أوسع، ويضع قيوداً إضافية على أي تصعيد محتمل على الجبهة اللبنانية.
وفي لبنان، تتباين القراءات بشأن تأثير الاتفاق على التوازنات الداخلية، فبينما ترى بعض الأوساط السياسية أن ربط الساحة اللبنانية بالمسار الأميركي-الإيراني قد يقلص هامش القرار اللبناني المستقل، تعتبر قوى أخرى أن إدراج الملف اللبناني ضمن إطار تفاوضي أوسع قد يساهم في تعزيز فرص التوصل إلى تفاهمات أكثر استقراراً بين الأطراف المتنازعة.
أما في دول الخليج، فقد أثارت التطورات الأخيرة تساؤلات حول مستقبل الترتيبات الأمنية الإقليمية، فبعض التقديرات ترى أن الاتفاق يكرس إيران كفاعل رئيسي لا يمكن تجاوزه في معادلات المنطقة، ويعزز الاتجاه نحو التسويات السياسية بدلاً من سياسات المواجهة المباشرة. كما تثير هذه التحولات نقاشات حول طبيعة الدور الأميركي في المنطقة ومستقبل الضمانات الأمنية التقليدية التي اعتمدت عليها دول الخليج لعقود.
في المقابل، يرفض مؤيدو الاتفاق وصفه بأنه تنازل لصالح إيران، معتبرين أنه يمثل الخيار الأقل كلفة مقارنة باستمرار الحرب. ويشيرون إلى أن البديل كان يتمثل في توسع الصراع وتحوله إلى مواجهة إقليمية شاملة كان من شأنها إلحاق أضرار جسيمة بالاقتصادات الإقليمية والعالمية، وتهديد أمن الممرات البحرية الحيوية وأسواق الطاقة.
ورغم الأجواء الإيجابية التي رافقت توقيع الاتفاق، فإن كثيراً من الأسئلة لا تزال مطروحة بشأن قدرته على الصمود وتحقيق أهدافه المعلنة، فنجاحه سيظل مرهوناً بنتائج المفاوضات المقبلة حول البرنامج النووي الإيراني، ومدى التزام الأطراف ببنوده، إضافة إلى قدرة القوى الإقليمية المختلفة على التكيف مع واقع سياسي جديد قد يعيد رسم ملامح الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.
وبين الترحيب والحذر، يبدو أن الاتفاق لا يمثل نهاية للأزمة بقدر ما يشكل بداية مرحلة جديدة من التنافس والتفاوض وإعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة، وهي مرحلة ستحدد نتائجها مستقبل العلاقات الأميركية الإيرانية وتأثيراتها على مختلف ملفات الشرق الأوسط.