واشنطن تترقب أداء حكومة الزيدي لتحديد مستقبل العلاقة مع بغداد

دبلوماسي أميركي يرى أن سياسة ترامب تجاه بغداد تشبه التعامل مع السلطة الجديدة في دمشق، وإن كانت الظروف مختلفة جذريا.

بغداد - تتعامل واشنطن مع بغداد بمنطق "الانتظار والترقب"، في وقت تستعد فيه لاستقبال علي فالح الزيدي رئيس الوزراء العراقي في زيارة مرتقبة إلى البيت الأبيض منتصف يوليو/تموز المقبل، لكن مسار العلاقات بين الجانبين لا يبدو محسوما بعد، إذ تربط الإدارة الأميركية رسم ملامح المرحلة المقبلة بمدى قدرة العراق على التعامل مع الملفات الأمنية الشائكة، وفي مقدمتها سلاح الميليشيات الموالية لطهران والنفوذ الذي راكمته داخل مؤسسات الدولة.

ورغم وجود رغبة متبادلة في توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري، فإن الأوساط السياسية في واشنطن ترى أن مستقبل العلاقة مع حكومة الزيدي سيتحدد إلى حد بعيد وفق ما ستفعله بغداد على الأرض، وليس وفق ما ستعلنه من تعهدات، ما يجعل الأشهر الأولى من عمر الحكومة بمثابة فترة اختبار حاسمة بالنسبة للإدارة الأميركية.

ونقلت وكالة "شفق نيوز" الكردية العراقية عن الدبلوماسي الأميركي السابق والزميل الأقدم في المجلس الوطني للعلاقات الأميركية العربية، البروفيسور ويليام، قوله إن دوائر صنع القرار الأميركية تنظر إلى الزيدي بوصفه "مرشح تسوية" حظي بقبول القوى السياسية العراقية، ويتمتع بخلفية اقتصادية ونهج براغماتي ينسجم مع أسلوب الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

غير أن هذا الانطباع الإيجابي لا يعني منح الحكومة الجديدة شيكا على بياض، إذ تتبع واشنطن، بحسب ويليام، سياسة تقوم على منح مهلة زمنية لاختبار سلوك الحكومة وقدرتها على تحقيق الاستقرار وإدارة الملفات الحساسة، في مقاربة تشبه أسلوب التعامل الأميركي مع السلطة الجديدة في سوريا، وإن كانت الظروف مختلفة جذريا.

وتشير هذه المقاربة إلى أن البيت الأبيض لا يعتزم اتخاذ قرارات استراتيجية كبرى تجاه بغداد قبل اتضاح توجهات حكومة الزيدي، خصوصا في ما يتعلق بملف الفصائل المسلحة ومستوى استقلال القرار العراقي عن الضغوط الايرانية.

السلاح والفصائل.. الاختبار الأصعب

وتشير تقديرات مراكز الأبحاث الأميركية إلى أن ملف الميليشيات سيكون العامل الأكثر تأثيرا في تحديد اتجاه العلاقات العراقية الأميركية خلال المرحلة المقبلة.

وتقول الباحثة المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط، هبة عبدالوهاب، إن واشنطن تنظر بحذر شديد إلى الحكومة الجديدة، خاصة بعد المواجهة الأخيرة بين إيران وإسرائيل وما أظهرته من محدودية قدرة الدولة العراقية على ضبط نشاط الفصائل المسلحة.

وترى عبدالوهاب أن المشكلة لا تكمن في الجانب العسكري فقط، بل في الشبكات السياسية والاقتصادية والمؤسساتية التي بنتها هذه الفصائل داخل الدولة على مدى سنوات، ما يجعل تفكيك نفوذها أو الحد منه عملية معقدة تتجاوز مسألة حل التشكيلات المسلحة أو دمجها.

وبحسب تقديرات متداولة في الأوساط الأميركية، فإن إدارة ترامب ستراقب عددا من المؤشرات العملية، من بينها قدرة الحكومة على منع استخدام الأراضي العراقية في الصراعات الإقليمية، والحد من نفوذ الفصائل داخل المؤسسات الأمنية، ومنع وصول شخصيات مقربة منها إلى مواقع حساسة، فضلا عن حماية المصالح الأميركية والاستثمارات الأجنبية.

وفي هذا السياق، لا يزال "الفيتو" الأميركي على إشراك شخصيات مرتبطة بالفصائل في بعض المناصب الأمنية يمثل أحد العوامل التي أخرت استكمال التشكيلة الحكومية، في إشارة إلى أن واشنطن تنظر إلى تركيبة الدولة العراقية نفسها باعتبارها جزءا من معادلة الأمن والاستقرار.

الاقتصاد أولوية.. لكن بشروط

وبينما يضع ترامب الاعتبارات الاقتصادية في مقدمة أولوياته، فإن تحقيق شراكات كبرى مع العراق يبقى مشروطا بتوفير بيئة مستقرة.

ويقول أستاذ الإدارة السياسية في جامعة جورج واشنطن، تود بيلت، إن الرئيس الأميركي ينظر إلى العراق من زاوية الفرص الاقتصادية وصفقات الطاقة، ويسعى إلى تعزيز التعاون مع بغداد في هذا المجال.

لكن بيلت يلفت إلى أن التهدئة الأمنية ونزع سلاح الفصائل أو احتواءها يمثلان جزءا أساسيا من متطلبات إنجاح هذه المشاريع، لأن الشركات الأميركية والاستثمارات الكبرى تحتاج إلى بيئة آمنة ومستقرة.

وتتقاطع هذه الرؤية مع أولويات الزيدي نفسه، الذي يركز على تحريك عجلة الاقتصاد وإحياء المشاريع الاستراتيجية، ومن أبرزها مشروع أنبوب النفط إلى ميناء العقبة الأردني، فضلا عن جذب استثمارات جديدة عبر صندوق التنمية للقطاع الخاص البالغة قيمته عشرة مليارات دولار.

ورغم أن الزيارة المرتقبة للزيدي إلى واشنطن ستتناول ملفات الاستثمار والطاقة والأمن الإقليمي، فإن مراقبين يرون أن أهميتها الحقيقية تكمن في كونها محطة لتقييم أداء الحكومة العراقية خلال أشهرها الأولى.

وتبدو الإدارة الأميركية معنية بمعرفة الكيفية التي ستتعامل بها بغداد مع ملف سحب القوات الأميركية، ومصير الفصائل، ومستقبل النفوذ الإيراني داخل العراق، إلى جانب رؤية الزيدي بشأن إعادة صياغة الشراكة الاقتصادية بين البلدين، بما في ذلك مشروع إنشاء صندوق مالي عراقي في الولايات المتحدة يمول من عائدات النفط العراقي المصدر إلى السوق الأميركية.

وفي المحصلة، تبدو واشنطن مستعدة لمنح حكومة علي الزيدي فرصة لإثبات نفسها، لكنها تربط تطوير العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية بنتائج ملموسة في الملفات الأكثر حساسية.