عن حيْونة الإنسان في 'مواليد حديقة الحيوان'
فازت رواية "مواليد حديقة الحيوان" للكاتب والقاضي المصري أشرف العشماوي، والصادرة عن الدار المصرية اللبنانية للنشر عام 2024، بجائزة الشيخ زايد للكتاب لعام 2026. هذه الرواية التي يفتتحها كاتبها بهذه الجملة حيث يكتب تحت العنوان في غلافها الداخلي: "لا أستطيع التأكيد أن الأحداث حقيقية، وفي الوقت ذاته لا أستطيع النفي".
والرواية هي عبارة عن 3 نوفيلات في كتاب واحد، اثنتان منهما تدور أحداثهما في مصر سبعينيات القرن الماضي أيام حكم الرئيس السادات، وواحدة تدور في عصرنا الحالي، عصر التكنولوجيا والسوشيال ميديا، وهي النوفيلا الأولى التي حملت عنوان "كابينة لا ترى البحر"، أما الثانية فعنونها الكاتب بـ ''مزرعة الخنازير''، والثالثة حملت عنوان ''مواليد حديقة الحيوان'' التي سُميت الرواية على اسمها.
أما السرد فقد كان في النوفيلا الأولى بلسان الشخصية الرئيسية، أما في الاثنتين الأخريين فقد جاء بلسان راوٍ عليم. وتتقاطع قصص الرواية الثلاث بعدة أشياء مشتركة، كوجود المحكمة والمحامي والصور الفوتوغرافية وفقدان الهوية والأحلام التي تشاهدها شخصيات القصص، هذه الشخصيات المأزومة التي تجد نفسها فجأة قد وقعت في ورطة لا تستطيع الخروج منها وتدخلها السجن، ومحامي هؤلاء الشخصيات الذي يؤزم وضعها أكثر عوضًا عن مساعدتها. وعن هذا الشيء قال الكاتب: "دخلوا في لعبة أكبر منهم، دخلوا في الغريق بعد أن كانت حياتهم كلها على الشاطئ، فلا هم استطاعوا العوم ولا استطاعوا العودة إلى بر الأمان، الغرق واحد ولكن البر مختلف في كل قصة".
البحر لا أمان له:
في النوفيلا الأولى التي حملت عنوان ''كابينة لا ترى البحر''، نحن أمام قصة عارف، الفتى المراهق الذي تمنى أمنية أودت به إلى الهلاك؛ فبعد وفاة والدته انتقل هو وأخته حياة للعيش في منزل جده الذي يعمل في خدمة الباشا، هذا الجد صعب المراس المتشدد دينيًا الذي فرض على حفيدته أن تتحجب، وطلب من حفيده عارف، الغارق بهلوساته الجنسية، أن يبحث عن عمل، والجدة لا حول لها ولا قوة أمام سطوة زوجها. وعندما يقابل عارف الباشا الذي يعمل عنده الجد يقول له: "نفسي أصيف في الساحل الشمالي، أسمع عنه ولا عمري شفته، وماما الله يرحمها وعدتنا"، فيحقق له الباشا أمنيته ويعطيه مفاتيح الشاليه ليذهب إليه هو وأخته ليصيفا به، لكن هذه الرحلة لا تنتهي على خير؛ لأن حياة تُقتل على يد ابن الباشا، فيطلب منه جده أن يدخل إلى السجن عنه، فيتحقق المنام الذي رآه عارف حيث شاهد فيه جده يغرقه في مياه البحر. هذا الجد الذي سُجن لمدة 15 عامًا مكان الباشا وكانت عائلته تعتقد أنه مسافر ويعمل في ليبيا، يكرر تاريخه نفسه مع حفيده الذي يخدعونه ويخبرونه أنه سيسجن لعام واحد فقط. عارف، هذا الفتى المسالم الذي لا يؤرقه سوى الانغماس بخيالاته الجنسية، وقد أقام علاقة جنسية عابرة مع الخادمة التي تعمل في منزل جده بعد أن أغوته كي يكتم سر علاقتها بسائق الباشا، لكنه يتحول فجأة إلى قاتل وسجين بسبب أمنية تمنى أنه لم يتمناها، لكن أكثر ما يثير الدهشة في الأمر هو كيف استطاع هذا الجد التضحية بأحفاده بسهولة في سبيل رضا الباشا؟ فحياة قُتلت وعارف سُجن ولم تهتز له شعرة.
الخنازير المحرمة:
في النوفيلا الثانية التي عنونها الكاتب بـ ''مزرعة الخنازير''، والمأخوذة شخصيتها الرئيسية من رواية للكاتب نفسه بعنوان ''الجمعية السرية للمواطنين'' التي فازت بجائزة كتارا للرواية العربية، وفي هذه النوفيلا نحن أمام قصة المصري القبطي تاجر الخنازير ''فايز حنا'' الذي يعيش في المنيا في صعيد مصر أيام صعود الجماعات الإسلامية المتطرفة في عهد الرئيس المصري أنور السادات، والتي كانت تقوم بتكفير كل من يخالف فكرها، وهذا ما حدث مع فايز فهاجموه أكثر من مرة وهددوه بحرق مزرعته، فنصحه محاميه بالهرب إلى القاهرة حيث ارتدى النقاب الذي ترتديه النساء كي لا يعرفه أحد أثناء مغادرته البلدة.
وحين وصل إلى القاهرة أخرج له محاميه بطاقة شخصية جديدة أصبح اسمه فيها ''فايز عبد النبي''، ولاحقًا الشيخ فايز الذي يبيع لحم الخنازير للناس في القاهرة على أنه لحم ضأن، فيتهافتون عليه من كل حدب وصوب وتزدهر تجارته بسبب نصيحة محاميه الذي قال له ذات مرة: "اكتشفت بدري قوي إن قولة الحق بتخلي الناس يكرهوك لأنك بتعريهم، فكان لازم أكذب وأكمل كذب وأصدق كذبتي علشان الناس تصدقني".
وهذا ما حدث مع فايز حنا أو الشيخ فايز عبد النبي، فقد صدق كذبته فازدهرت تجارته وأحبه الناس كثيرًا، مما شجعه على ترشيح نفسه إلى مجلس النواب، لكن فايز لم يحتمل عقله كل هذا النجاح والثروة التي امتلكها فجأة، فقد تحقق منامه الذي رأى فيه غرابًا يقف على رأسه وينتزع عمامته وينقر جبهته فيدميه، فيتورط بقضية إعطاء شيكات بدون رصيد ويصبح مطلوبًا للعدالة، ويصبح في مأزق هو ومحاميه الفاشل الذي أراد يومًا ما أن يصبح وكيل نيابة لكن مهنة والده الفقير منعته من ذلك واتجه إلى المحاماة، لكنه بدلًا من أن ينقذ فايز كان يورطه أكثر، مما تسبب في دخول الأخير السجن وموته بعدها بفترة بسيطة، وأصبح قبره مزارًا تزوره الناس وتتبارك منه فهو ولي من أولياء الله الصالحين، هو الشيخ فايز عبد النبي. ويذكرنا عنوان النوفيلا بعنوان رواية الكاتب الإنجليزي جورج أورويل ''مزرعة الحيوان''، رغم الاختلاف الجوهري بين الروايتين؛ ففي مزرعة الخنازير تتم حيونة الإنسان، بينما في مزرعة الحيوان تتم أنسنة الحيوانات لتتصف بصفات البشر.
سيرك الأسود:
في النوفيلا الثالثة والأخيرة التي جاءت بعنوان ''مواليد حديقة الحيوان''، نحن أمام قصة إسماعيل، الشاب الطبيب البيطري الذي ولد وتربى في حديقة للحيوانات، ما عرضهم للتنمر من الناس طيلة حياته، هذه الحديقة التي كان والده يعمل بها لكنه مات بعد أن عضه أسد والتهم يده.
يكبر إسماعيل ويقرر الزواج من عايدة، ويحاول أن يحصل على منزل من جمعية الإسكان كي يعيش فيه هو وعروسه، لكن محاميه ينصحه بأن ينقل بعضًا من أثاث منزله إلى مسكنه في الحديقة، ما يعرضه للابتزاز من مديرها الذي يتحكم فيه ويطلب منه ومن خطيبته أن يتنكرا بزي الأسد يوم زيارة الرئيس السادات للحديقة، بعد نفوق الأسدين اللذين كانا فيها نتيجة تسممهما بعد إطعامهم لحم حمير فاسد، لكن أمر إسماعيل وخطيبته ينكشف يوم اغتيال السادات، فتلفق المخابرات لهما تهمة تأسيس تنظيم الأسد لقلب نظام الحكم، لكن محاميه يتدخل ويحول التهمة التي كادت تودي بحياته هو وخطيبته إلى ممارسة فعل فاضح داخل قفص للحيوانات، وبعدها يبدأ ابتزاز مدير الحديقة له ويأمره بالعمل كحارس لقفص الفيل، هو الطبيب البيطري المثقف، ليبقى النحس ملازمًا له طيلة حياته.
صورة فوتوغرافية:
كتب أشرف العشماوي روايته هذه باللغة العربية الفصحى والعامية المصرية بسرد تصويري برع فيه، حيث يصف شخصياته ومحيطها بمهارة مرئية في خيال القارئ، الأمر الذي دفع شركات الإنتاج لاتخاذ قرار بتحويلها لفيلم سينمائي بعد فوزها بجائزة الشيخ زايد.
وبالعودة إلى الصورة ولغتها، كان في كل نوفيلا من النوفيلات صورة فوتوغرافية مرتبطة بالشخصيات؛ ففي ''كابينة لا ترى البحر'' يجد عارف صندوقًا خشبيًا بداخله صور فوتوغرافية يتعرف من خلالها على تاريخ عائلته، وفي مزرعة الخنازير كان فايز يحتفظ بصورة له مع والديه وهم جالسون وخلفهم صليب خشبي، وفي ''مواليد حديقة الحيوان'' سيبقى إسماعيل يتذكر الصورة الشهيرة للرئيس حسني مبارك وهو يقف عند مدخل الحديقة ويلوح بيده للناس ويشير لهم بإصبعه أن يدخلوا.
لكن كما قالت حياة أخت عارف له قبل أن تُقتل: "كل الصور خادعة"، وقد جاء هذا أيضًا على لسان الكاتب في الغلاف الخلفي للرواية: "لا ترَ بأذنيك ولا تسمع بعينيك، لا تصدق كل ما يقال لك فبعض الكلمات صور لو تأملتها لرأيت تفاصيل لم تدركها من النظرة الأولى"، ويختم العشماوي كلامه هذا بمقولة: "الحقيقة نراها منقوصة دومًا لكننا نشعر بها كاملة فلا تثق إلا بقلبك". وبالتأكيد استفاد العشماوي من خبرته كقاضٍ في حبك قصص روايته هذه، هو الذي مرت عليه مئات القضايا التي احتوت على قصص أغرب من القصص الـ 3 التي احتواها الكتاب.