'نخلة شافع' تصوّفُُ روائيّ يربط أسرار الأرض بعبق البحر

الرواية للكاتبة انتصار عبد المنعم تبرز أبعاد السرد الفلسفية والتاريخية والأسطورية، وجماليات لغتها النثرية المنصهرة في تفاصيل مدينة إدكو وذاكرة ناسها بين البحر والبحيرة.
أحمد شلبي
القاهرة

ظل عنوان "نخلة شافع" مرتبطًا عندي بالشاعر والمؤرخ الراحل محمد محمود زيتون في قصيدته الرائعة التي تحمل هذا العنوان، ومطلعها:

"قَدَمُ الزمانِ تدبُّ في درجاتها     ويدُ المَنونِ ترفُّ في سعفاتِها
  

وتشابهت أحوالُها: فحياتُها       كمماتها، ومماتُها كحياتِها
  

أشْفتْ على شطِّ المَنون كأنَّها    موتورةٌ تُفضي له بشكاتِها
  

واجتازت الدنيا..فمِن أَحيائها     حملت رسالتَها إلى  أمواتِها
  

اليأسُ كلُّ اليأسِ في حركاتِها    والبؤسُ كلُّ البؤسِ في  سكناتِها
  

وكأنما سئمتْ حياةَ شقاوةٍ      من علقَمٍ قد شعشعتْ كاساتِها"
  

وكنت أنظر إلى النخلة من خلال الأبيات على أنها رمز للحياة والفناء، وتحدي الزمان، شأنها في ذلك شأن "الجبل" في قصيدة ابن خفاجة الأندلسي، وهي إحدى روائع الشعر العربي، ومطلعها:  

"بَعَيشِكَ هَل تَدري أَهُوجُ الجَنائِبِ    تَخُبُّ بِرَحْلي أَم ظُهورُ النَجائِبِ؟
  

فَما لُحتُ في أولى المَشارِقِ كَوكَبًا     فَأَشرَقتُ حَتّى جِئتُ أُخرى المَغارِبِ
  

وَحيداً تَهاداني الفَيافي فَأَجتَلي     وَجوهَ المَنايا في قِناعِ الغَياهِبِ
  

وَلا جارَ إِلّا مِن حُسامٍ مُصَمَّمٍ    وَلا دارَ إِلّا في قُتودِ الرَكائِبِ"
  

وقد غلبت على القصيدتين الفكرة الفلسفية التي تركز على الثبات والتغير؛ فالثبات للطبيعة، والتغيّر للكائن الحي وحتمية الموت والفناء، وركز الشاعران على الرمز الذي اتخذه كلٌّ منهما في نصه: "النخلة" عند زيتون، و"الجبل" عند ابن خفاجة.

أما ما بين أيدينا من نص روائي فأمرٌ أكثر سعة، فهو يتشعب إلى أمور كثيرة، من رؤية فلسفية إلى رؤية اجتماعية، إلى رؤية تاريخية، إلى رؤية جغرافية، إلى رؤى: فلكلورية وأسطورية وواقعية ونفسية، في قالب سردي فني فريد، تظهر من خلاله قدراتٌ رفيعة للروائية، من حيث: السيطرة على الأزمان والأحداث والشخصيات في لغة شديدة الحساسية تلتقط المفردة كما يلتقط الغواص صدفته بمهارة فائقة، وبأسلوب يتماهى مع دقة صناعة الشِّبَاك وغزلها المحكم الناعم الرقيق. وتعطينا الكاتبة مفتاح روايتها في البداية، إذ تقول:

"هذه الرواية ليست من خيال الكاتب، ولا تمت للواقع بصلة ولكن بصلات عديدة.." وتحكي عن دوافع كتابتها، فتقول: "لديّ رغبة عارمة في جمع هذه الحكايات أنزعها من صدور أصحابها، لعلهم بعدها يشعرون براحة لم يجربوها من قبل".

بمدخل عبقري تبحث الكاتبة عن مأمن هادئ تجمع فيه حكايات البيوت وحكايات مدينتها بعيدًا عن الصخب والعيون، فلا تجد أنسب من هذه النخلة التي تخلت عن جوار الأحياء، ووقفت تتحدى الزمن في مكانها ساخرة من موت يخيم على المكان من حولها، هذه النخلة التي تسمى بـ"نخلة شافع" نسبة إلى جوارها مقامَ الصحابي شافع بن السائب الذي حط رحاله في المدينة "إدكو"، واتخذها مستقرًّا أبديًّا، وتؤكد الكاتبة أصالتها بالمدينة وأحقيتها في سرد حكاياها لأنها العارفة بأسرارها، فتقول: "سأجعل من حكاياتي حكايات، ألضمها معًا في مسبحة قد تصل إلى ألف حبة من خشب الصندل، مثل مسبحة جدي حسن، ورثتها أمي زينب آل زيتون، ومنحتها لي ذات حلم، فأنارت لي الكون وطيَّبته لألف ليلة وليلة ومائة ألف حكاية وحكاية، ولا تنتهي، وحدي أعرف، فمن منهم جرؤ على التحرر من جسده وتركه رفقة نخلة شافع... مثلما قررت أن أفعل" هنا كاتبة غير منفصلة عن عالمها الروائي، فهي منصهرة فيه، في أحداثه، في تاريخه، في شخصياته، في مصائر ناسه.

ومن خلال صدفات "فصول" الرواية العشر تأخذنا انتصار عبدالمنعم بعبقرية جبارة، وتجربة خاصة، على زوارقها وأمواجها ما بين البحر والبحيرة، وعادات الناس، ما بين الواقعي والأسطوري والروحي، كما نرى عند حَمْل "زينب" بعد يأس، وقد طرقت أبواب الطب، وباب زيارة مقام الغريب، ثم امتثالها للغجرية "واضحة" التي مرَّرَتْها من أسفل الجَمَل "العفي"، وحملت، ولا تدري أيّ باب مما طرقت كان السبب.

وتتعدد الأجيال في تماسك بنائي يثير الدهشة من قدرة الساردة على التلاعب بالزمن، فهي تأخذ القارئ إلى أزمنتها بيسر وسلاسة كحكَّاءة شعبية ماهرة، ولكن في لغة تبرز ثقافة روائية من طبقة الكبار.

لقد سكبت انتصار عبدالمنعم دموعي ثرة، وهي تأخذ بأنفاسي وخفقان قلبي، في لوعة الأم المكلومة وصبر الأب الجريح في انتظار جثة "سعيد" الابن الذي ابتلعه البحر، فكأنني كل أطراف المشهد وأنا أتصور ابتلاع بحر الغرفة لابني.. فلم أتمالك إلا أن أقول: "ليه كدا يا انتصار؟" وما زلت مع انتصار حتى فرغتْ من حكاياها المثيرة: "أنسلخ رويدًا رويدًا مما يربطني بالأرض، أتخفف من أعباء جسد يكبلني، يشدني إلى هنا، أستقبل البحر، قِبلةً ومحرابا، سجدتان بين ذراعيه، ثلاث موجات ونفَس عميق، يتخلل الماءُ الروحَ والحشا، صوت الشيخ "محمد" يعلو على صوت الموج، سجدات البحر تتوالى بلا أذان أو إقامة، سبع تكبيرات وأصعد، صدفتي في يدي تهمس لي..." بهذا الشعر السردي، أو السرد الشعري، نستفيق من حالة تصوف روائي ساحر لكاتبة متفردة تستنشق هواء البحر وعبق البحيرة، وتطل من البيوت وتجمع الأزمان والأجيال والحكايا، وتأخذنا لمشاهد الأخصاص البوص، والمراكب، والأسواق، وباعة السمك وأم الخلول، وحركة السفر إلى أحياء الإسكندرية الشرقية القريبة، والشباك والجوابي، والرمال، والنخيل، وأصناف البلح: السماني والزغلول والعرابي، ومقامات الأولياء، ومساجد المدينة، ومقابرها، وقصص العفاريت، والذئاب والعقارب، وضحايا البحر، والغَجَر، لتعتصر كل هذه المفردات والمشاهد فيستحيل إلى هذا الجمال القصصي الأخاذ.