أمواج غزة تمنح الشباب مساحة للأمل

الغروب والبحر واللوح.. تفاصيل صغيرة تجعل الفلسطينيين يعيشون لحظات سلام وسط واقع مليء بالتحديات المستمرة.

غزة (فلسطين) ـ في ساعات الغروب من كل يوم، يندفع خليل أبو جياب، بلوحه فوق أمواج البحر المتوسط قبالة شاطئ مدينة غزة، متمايلا مع حركة الماء صعودا وهبوطا، فيما يشق طريقه بين الموجات المتلاحقة بثبات اكتسبه عبر سنوات طويلة من التدريب.

ومع كل ارتفاع للموجات يشعر الشاب الفلسطيني ذو الثمانية عشر ربيعا وكأنه يحلق للحظات في عالم آخر، بعيدا عن أجواء الحرب والضغوط اليومية المحيطة به.

ويقول أبو جياب لوكالة أنباء (شينخوا)، إنه يحرص على التوجه إلى البحر مع ساعات الغروب من كل يوم كلما سنحت له الفرصة.

ويضيف، "في ذلك الوقت، تنعكس أشعة الشمس الذهبية على سطح البحر المتوسط، وتتراقص خيوط الضوء فوق الأمواج المتكسرة، بينما تمتزج ألوان السماء البرتقالية والحمراء بزرقة المياه في مشهد أشعر بأنه متنفسي الوحيد والنادر وسط واقعنا المأساوي الذي نعيشه".

وبين حركة الأمواج ورذاذ المياه المالحة الذي يلامس وجهه مع كل اندفاع، يقول أبو جياب إن التجربة تتجاوز حدود الرياضة، إذ تمتد إلى إحساس عميق بالتحكم والتوازن، وكأن السيطرة على اللوح الخشبي فوق الموج تمنحه شعورا بإمكانية السيطرة على مسار حياته رغم الفوضى المحيطة.

ويتابع، "عندما أستطيع الوقوف فوق اللوح ومواجهة الموج، أشعر أنني أستطيع السيطرة على حياتي أيضا ... هذا الشعور يعطيني أملا بأنني قادر على الاستمرار رغم كل ما يحدث حولنا".

بالنسبة لأبو جياب، أصبح البحر مساحة للهروب المؤقت من أعباء الحياة اليومية، ومكانا يستعيد فيه شعوره بالأمل في ظل الظروف التي يعيشها قطاع غزة.

ويشرح الشاب الفلسطيني أن رياضة ركوب الأمواج ليست مجرد هواية أو نشاط رياضي، بل أسلوب حياة رافقه منذ الطفولة.

غير أن هذه اللحظات الهادئة فوق سطح البحر تخفي وراءها واقعا أكثر تعقيدا، إذ أثرت الحرب على مختلف جوانب الحياة في غزة، بما في ذلك الأنشطة الرياضية التي شهدت تراجعا ملحوظا خلال الفترة الأخيرة.

ويعد أبو جياب من أبرز الوجوه الشابة في هذه الرياضة، إذ بدأ ممارستها في الخامسة من عمره على يد والده الذي حرص على تعليمه أساسيات التوازن فوق اللوح وكيفية التعامل مع الأمواج.

ويستذكر أبو جياب قائلا، "علمني والدي ركوب الأمواج منذ طفولتي، حيث كبرت وأنا مرتبط بالبحر، وأشعر أن جزءا كبيرا من حياتي تشكل فوق هذه الأمواج".

ويوضح أن أحلامه لم تكن تقتصر على ممارسة الرياضة داخل غزة، بل كان يتطلع مع زملائه إلى تمثيل فلسطين في المسابقات الدولية وتطوير مهاراتهم من خلال التدريب خارج القطاع.

ويقول بينما كان ممسكا مزلاجه المتآكل "كانت لدينا طموحات كبيرة بالسفر والمشاركة في بطولات عالمية والتعرف إلى رياضيين من دول مختلفة، لكن الظروف الحالية جعلت الوصول إلى هذه الأحلام أكثر صعوبة".

ومن أجل تلك الأحلام، شكل أبو جياب قبل الحرب مع مجموعة من أصدقائه فريقا لرياضة ركوب الأمواج ضم 17 لاعبا، وكانت التدريبات تقام بصورة منتظمة على شاطئ غزة، حيث كان اللاعبون يلتقون بشكل شبه يومي لممارسة الرياضة وتطوير مهاراتهم.

ويقول أبو جياب، "قبل الحرب كنا نتدرب معا بشكل مستمر، أما اليوم فأصبحت التدريبات محدودة، وفي كثير من الأحيان نتدرب بشكل فردي أو ضمن مجموعات صغيرة".

ولم تقتصر آثار الحرب على تراجع التدريبات، بل امتدت إلى المعدات الرياضية التي يعتمد عليها اللاعبون فقد تعرضت غالبية ألواح ركوب الأمواج للتلف أو التحطم، فيما أصبحت عملية استبدالها أو إصلاحها أكثر تعقيدا في ظل الظروف الحالية.

ويشرح أبو جياب، "قبل الحرب كان لكل لاعب لوحه الخاص، أما الآن فلم يتبق سوى عدد قليل من الألواح التي نتشارك استخدامها. نحاول المحافظة عليها لأنها أصبحت نادرة جدا".

وتنعكس هذه التحديات على معظم ممارسي رياضة ركوب الأمواج في غزة، الذين يواجهون صعوبات يومية للحفاظ على استمرارية نشاطهم الرياضي.

ومن بين هؤلاء عبد الرحيم الأستاذ (19 عاما)، الذي يمارس هذه الرياضة منذ خمس سنوات ويعتبرها جزءا أساسيا من حياته.

ويقول الأستاذ، إن اللاعبين لا يعانون فقط من نقص الألواح، بل يواجهون أيضا صعوبة في توفير مواد أساسية تستخدم خلال التدريبات.

ويوضح، أن من أبرز هذه المواد الشمع الخاص بألواح ركوب الأمواج، والذي يستخدم لتثبيت القدمين على اللوح ومنع الانزلاق أثناء مواجهة الأمواج.

ويضيف، "هذه المادة ضرورية لأي راكب أمواج، لكنها غير متوفرة لدينا حاليا، لذلك نضطر إلى استخدام بدائل بسيطة حتى نتمكن من مواصلة التدريب".

ويشير إلى أن قيمة اللوح الرياضي في غزة أصبحت أكبر من مجرد أداة تستخدم في ممارسة الرياضة.

ويقول، "اللوح بالنسبة لنا كنز حقيقي، لأن الحصول على لوح جديد أو استبداله ليس أمرا سهلا. لذلك نحافظ على الألواح الموجودة بأقصى ما نستطيع".

ويقول الأستاذ، "كنا نتمنى السفر إلى الخارج والتدرب مع محترفين واكتساب خبرات جديدة تساعدنا على تطوير مستوانا، لكن الظروف الحالية تحول دون ذلك".

ورغم هذه التحديات، ما يزال اللاعبون يجدون في البحر مساحة تمنحهم قدرا من الراحة النفسية بعيدا عن ضغوط الحياة اليومية.

ويضيف الأستاذ، "عندما نكون فوق الأمواج ننسى كثيرا من الهموم والأوجاع التي نعيشها. هذه الرياضة تمنحنا شعورا مختلفا وتساعدنا على الاستمرار".

ويقول مختصون إن أهمية الرياضة في قطاع غزة لا تقتصر على الجانب البدني، بل يمتد دورها إلى التخفيف من الضغوط النفسية التي يواجهها السكان.

ويقول الأخصائي النفسي فضل عاشور، إن سكان قطاع غزة تعرضوا خلال الفترة الماضية لصدمات وضغوط متواصلة انعكست على مختلف جوانب حياتهم.

ويضيف أن الأنشطة الرياضية والترفيهية تساعد الأفراد، خاصة الشباب، على التعبير عن مشاعرهم والتخفيف من حدة التوتر والضغوط النفسية.

ويوضح عاشور، أن الحاجة ما تزال قائمة إلى توفير مساحات آمنة تمكن الشباب من ممارسة الأنشطة الرياضية والاجتماعية، إلى جانب برامج دعم وتأهيل نفسي تساعدهم على التعامل مع آثار الأزمات المستمرة.

ومع استمرار التحديات ونقص الإمكانات، يواصل أبو جياب وزملاؤه التوجه إلى البحر كلما سنحت الفرصة، متمسكين برياضة تحولت بالنسبة لهم إلى وسيلة للتعبير عن الذات ومواجهة الظروف الصعبة.

وبينما تغيب الشمس كل مساء خلف أفق البحر المتوسط، وتنعكس ألوانها الأخيرة على أمواج شاطئ غزة، يواصل هؤلاء الشبان مطاردة أمواجهم وأحلامهم في آن واحد، مؤمنين بأن الرياضة قادرة على منحهم نافذة على العالم حتى في أصعب الظروف.