لماذا حسم حزب أردوغان ملف الرئاسة من الآن
أثار إعلان المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية التركي عمر جليك أن مرشح الحزب للانتخابات الرئاسية المقبلة سيكون الرئيس رجب طيب أردوغان موجة من التساؤلات داخل الأوساط السياسية التركية، ليس بسبب هوية المرشح بقدر ما يتعلق بتوقيت الإعلان نفسه، فالانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة لا يزال من المقرر إجراؤها عام 2028، ما يجعل حسم ملف المرشح الرئاسي قبل سنوات من موعد الاستحقاق خطوة تستحق التوقف عند دلالاتها السياسية.
وجاءت تصريحات جليك عقب اجتماع المجلس المركزي للقرار والإدارة في الحزب، بالتزامن مع تأكيدات متكررة من حليف العدالة والتنمية، زعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشلي، بشأن دعمه لترشح أردوغان مجددًا ورفضه الدعوات المطالبة بانتخابات مبكرة. وهو ما عكس وجود توافق واضح داخل تحالف الجمهور الحاكم حول هوية المرشح الرئاسي المقبل، رغم أن الاستحقاق الانتخابي لا يزال بعيدًا نسبيًا.
ولا يبدو أن الإعلان يهدف فقط إلى تأكيد أمر معروف داخل قواعد الحزب الحاكم، بل يحمل في طياته رسائل سياسية متعددة إلى الداخل التركي، فمنذ الانتخابات الرئاسية الأخيرة عام 2023، ظل سؤال "ما بعد أردوغان" حاضرًا في بعض النقاشات السياسية والإعلامية، سواء داخل تركيا أو خارجها، بالنظر إلى طول فترة حكمه ومركزية دوره داخل النظام السياسي التركي، غير أن قيادة العدالة والتنمية تسعى من خلال هذا الإعلان إلى إغلاق الباب أمام أي تكهنات تتعلق بمرحلة انتقال القيادة أو البحث عن خليفة محتمل للرئيس الحالي.
وتعزز هذا التوجه تصريحات مستشار الرئيس التركي محمد أوتشوم، الذي رأى أن تركيا لا تزال بحاجة إلى خبرة أردوغان السياسية وقيادته في ظل التحديات الداخلية والخارجية المتزايدة. كما أعادت هذه التصريحات إلى الواجهة النقاش حول إمكانية ترشح أردوغان مجددًا من الناحية الدستورية، خاصة أن الدستور التركي يضع قيودًا على عدد الولايات الرئاسية.
وتتمسك المعارضة التركية بأن الرئيس استنفد الحد الأقصى للولايات المنصوص عليها دستوريًا، بينما يستند أنصار الحزب الحاكم إلى تفسيرات قانونية ترى أن إجراء انتخابات مبكرة بقرار من البرلمان يمكن أن يفتح الباب أمام ترشح أردوغان مرة أخرى. ولهذا السبب، ينظر بعض المراقبين إلى الإعلان المبكر بوصفه جزءًا من عملية سياسية تهدف إلى تهيئة الرأي العام والبيئة السياسية للنقاش القانوني المتوقع خلال السنوات المقبلة.
وفي المقابل، يأتي هذا الإعلان في وقت تمر فيه المعارضة التركية بمرحلة من الارتباك السياسي والتنظيمي. فرغم النجاح الذي حققه حزب الشعب الجمهوري المعارض الرئيسي في الانتخابات البلدية الأخيرة، فإن الساحة المعارضة شهدت خلال الأشهر الماضية تصاعدًا للخلافات الداخلية والصراعات المرتبطة بالقيادة ومستقبل الحزب، ما انعكس على قدرتها في الحفاظ على الزخم السياسي الذي حققته سابقًا.
كما أن المعارضة لم تنجح حتى الآن في تقديم رؤية موحدة أو التوافق حول شخصية يمكن أن تمثل منافسًا جديًا لأردوغان في الانتخابات المقبلة. وبينما تستمر النقاشات داخل معسكر المعارضة حول إعادة ترتيب الأولويات والقيادات، يبدو أن الحزب الحاكم يسعى إلى استثمار هذه الحالة عبر تثبيت صورة أردوغان باعتباره المرشح الأبرز والأكثر جاهزية لخوض أي استحقاق انتخابي قادم.
ولا يمكن فصل هذه الحسابات عن البيئة الإقليمية والدولية التي تتحرك فيها تركيا حاليًا، فأنقرة تواجه ملفات معقدة تتعلق بالحرب في أوكرانيا، والعلاقات مع روسيا والولايات المتحدة، ومستقبل الترتيبات الأمنية في سوريا والعراق، إلى جانب التحولات المتسارعة داخل المنظومة الأمنية الأوروبية. وفي ظل هذه المعطيات، يحرص الحزب الحاكم على تقديم أردوغان باعتباره رجل المرحلة القادر على إدارة شبكة التوازنات الإقليمية والدولية التي بنتها تركيا خلال العقدين الماضيين.
ومن هذا المنطلق، فإن إعلان العدالة والتنمية ترشيح أردوغان لا يمكن قراءته باعتباره خطوة انتخابية مبكرة فحسب، بل بوصفه رسالة سياسية تهدف إلى تعزيز تماسك التحالف الحاكم، وإغلاق باب الجدل حول الخلافة السياسية، وتوجيه الأنظار نحو معسكر المعارضة الذي لا يزال يبحث عن صيغة موحدة لمواجهة الحزب الحاكم.
وبين الاعتبارات الدستورية والحسابات الحزبية والتحديات الإقليمية، يبدو أن أنقرة بدأت مبكرًا رسم ملامح معركة الرئاسة المقبلة. وحتى إن بقي موعد الانتخابات بعيدًا، فإن الرسالة التي أراد حزب العدالة والتنمية إيصالها تبدو واضحة: أردوغان لا يزال المرشح الأول للتحالف الحاكم، وأي حديث عن مرحلة ما بعده ما زال سابقًا لأوانه.