كيف أعادت الثورة الرقمية الفلسفة إلى قلب التكنولوجيا؟

صعود الذكاء الاصطناعي يؤدي إلى تحوّل لافت في سوق التقنية حيث تسعى كبرى الشركات لاستقطاب الفلاسفة جنباً إلى جنب مع علماء الحاسوب لمعالجة الأسئلة الأخلاقية والمعرفية المعقدة.
رانيا عبدالعاطي
القاهرة

لأكثر من قرنين، ظل التقدم العلمي يُقاس بما يحققه المهندسون والعلماء من اكتشافات واختراعات، فيما بدت الفلسفة، بالنسبة لكثيرين، تخصصًا نظريًا بعيدًا عن سوق العمل ومتطلبات الاقتصاد الحديث. لكن، مع صعود الذكاء الاصطناعي، تشهد هذه الصورة تحولًا لافتًا؛ إذ أصبحت كبرى مختبرات التكنولوجيا في العالم تبحث عن الفلاسفة بالقدر نفسه الذي تبحث فيه عن علماء الحاسوب.

ففي وادي السيليكون، حيث تتشكل ملامح الثورة التقنية الجديدة، لم يعد السؤال المطروح هو: كيف نجعل الآلة أكثر ذكاءً؟ بل أصبح: كيف نجعلها أكثر حكمة؟ ومن هنا بدأ الإرث الفكري الممتد من سقراط وأفلاطون وأرسطو وصولًا إلى كانط وجون ستيوارت ميل، يجد طريقه إلى مراكز تطوير أكثر أنظمة الذكاء الاصطناعي تقدمًا.

ورصدت مجلة The Economist هذا التحول في تقريرها الأخير، مشيرة إلى أن مختبرات مثل OpenAI وGoogle DeepMind وAnthropic توسع اعتمادها على المتخصصين في الفلسفة للمساهمة في معالجة قضايا معقدة تتعلق بمواءمة الذكاء الاصطناعي مع القيم الإنسانية، والوعي، وحدود اتخاذ القرار الأخلاقي، وهي قضايا لم تعد الهندسة وحدها قادرة على حسمها، كما أشارت إلى أن بعض هذه الشركات بدأت تستقطب خريجي الفلسفة حتى قبل إنهاء دراستهم الجامعية.

ولا يتعلق الأمر بإضفاء طابع أكاديمي على صناعة التكنولوجيا، بل بضرورة عملية فرضتها طبيعة النماذج الذكية. فهذه الأنظمة لم تعد تكتفي بمعالجة البيانات، وإنما أصبحت تشارك في تقديم المشورة، وصياغة النصوص، والإجابة عن الأسئلة الحساسة، واتخاذ مواقف قد تؤثر في قرارات المستخدمين، وهو ما جعل الأسئلة الفلسفية القديمة حول الحقيقة، والعدالة، والمسؤولية، والإرادة الحرة، جزءًا من عملية تطوير البرمجيات نفسها.

وفي تقرير موسع نشرته مجلة WIRED، أوضحت أن شركات الذكاء الاصطناعي باتت توظف فرقًا من الفلاسفة لدراسة "الحالات الأخلاقية الحدية" التي قد تواجهها النماذج، إلى جانب قضايا الوعي، وطبيعة العقل، والقدرة على الاستدلال الأخلاقي، وأشارت المجلة إلى أن Google DeepMind تضم فريقًا متخصصًا في الآثار المجتمعية للذكاء الاصطناعي، بينما أصبحت الباحثة الفلسفية أماندا أسكل إحدى أبرز الوجوه العلمية في شركة Anthropic.

ويعود جانب من هذا الاهتمام إلى الفيلسوف اليوناني سقراط، الذي جعل من الاعتراف بحدود المعرفة أساسًا للحكمة، فبدلًا من أن يقدم الذكاء الاصطناعي إجابات واثقة لكنها خاطئة، يسعى المطورون إلى تدريبه على التمييز بين ما يعرفه وما يجهله، وتشجيعه على مراجعة استدلالاته قبل الوصول إلى النتيجة، وهي منهجية يرى باحثون أنها تستلهم الحوار السقراطي القائم على التساؤل والنقد الذاتي.

ولم يعد النقاش يدور فقط حول دقة المعلومات، بل امتد إلى طبيعة القيم التي ينبغي أن تحكم سلوك الأنظمة الذكية، فهل يجب أن تلتزم الآلة بمبادئ أخلاقية ثابتة، كما يرى الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط؟ أم أن عليها اختيار القرار الذي يحقق أفضل النتائج الممكنة، حتى لو تعارض مع بعض القواعد؟ هذا الجدل الفلسفي القديم أصبح اليوم جزءًا من النقاشات اليومية داخل مختبرات الذكاء الاصطناعي.

وتشير مجلة The Atlantic إلى أن هذا التحول أعاد الاعتبار إلى دراسة الفلسفة داخل الجامعات، بعدما كانت تُعد من التخصصات الأقل طلبًا في سوق العمل، فقد بدأت الجامعات الأمريكية والأوروبية في إطلاق برامج تجمع بين الفلسفة والذكاء الاصطناعي، استجابة لطلب متزايد من شركات التكنولوجيا على الباحثين القادرين على معالجة القضايا الأخلاقية والمعرفية المرتبطة بالأنظمة الذكية.

وفي الوقت نفسه، يحذر عدد من الأكاديميين من المبالغة في التفاؤل. فوجود الفلاسفة داخل الشركات لا يعني بالضرورة أنهم يمتلكون الكلمة الأخيرة في القرارات التجارية أو التقنية، وترى بعض الأصوات أن الشركات قد تستخدم خبراء الأخلاق لتحسين صورتها العامة، فيما يُعرف بمفهوم "الغسل الأخلاقي"، إذا لم تُترجم توصياتهم إلى سياسات فعلية داخل المنتجات المطروحة للمستخدمين.

ومع ذلك، فإن التحول يبدو أعمق من كونه موجة عابرة في سوق التوظيف، فكلما اقترب الذكاء الاصطناعي من أداء مهام كانت حكرًا على الإنسان، ازداد الاحتياج إلى تخصصات تستطيع الإجابة عن أسئلة لا توفر الرياضيات أو البرمجة حلولًا نهائية لها: ما الحقيقة؟ وما العدالة؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما تخطئ الآلة؟

هكذا، وبعد أكثر من ألفي عام على تجول سقراط في شوارع أثينا محاورًا تلاميذه حول معنى الحكمة، تجد أفكاره صدى جديدًا داخل مختبرات سيليكون فالي، حيث أصبحت الفلسفة، التي وُصفت طويلًا بأنها علم الأسئلة، إحدى الأدوات التي تراهن عليها شركات التكنولوجيا للإجابة عن أكبر أسئلة العصر.