First Published: 2010-11-25

ثقافة التعددية وتعددية الثقافة

 

تعززت لدينا ثقافة احترام الآخر والاعتراف بالتعددية الدينية والمذهبية والقومية، وللأسف فإننا اليوم نفتقدها ونسعى لإحيائها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. إبراهيم خليل العلاف

التنوع والتعدد ضمن الوحدة

لعل من ابرز مظاهر الحضارة العربية والإسلامية التي يؤكدها المستشرقون قبل غيرهم، هذا التعدد والتنوع ضمن الوحدة، والذي كان وراء ازدهار تلك الحضارة، واكتسابها بعدا إنسانيا واضح المعالم. هذه الحضارة، وامتداداتها التي شملت، خلال حقب التاريخ المعروف، مساحات واسعة من العالم ما كان لها أن تكون كذلك لولا مبادئ التسامح، والمحبة، والإخلاص، والدقة، والمرونة، والصدق الذي تميزت به.

وللأسف الشديد، فإننا اليوم، وفي عصرنا الحاضر هذا، قد غادرنا الكثير من تلك الصفات، فبتنا معروفين بالتعصب، متشبثين بالفكر الواحد. وأصبحنا غير متسامحين ليس مع غيرنا وإنما مع بعضنا البعض، الأمر الذي دفع أحد المؤرخين العالميين لأن يبشر بقرب خروجنا من التاريخ، بسبب انغلاقنا على أنفسنا، والتصور، بأننا البشر الوحيدون الذين تحق لهم الحياة.

إن أية مراجعة منصفة لتاريخنا، تكشف بأن العرب حتى في عصورهم الجاهلية، وبعد الإسلام، كانوا امة متفتحة، زادهم الإسلام تفتحا من خلال تأكيده على أهمية الركون إلى الكلمة الطيبة الصادقة، والعقل، والحكمة، والموعظة الحسنة، والجدل بالتي هي أحسن. فضلا عن التحلي بالإيمان، والاستقامة، ومكارم الأخلاق. فلو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة. ولكن خلقهم مختلفين في الشكل، واللون، والدين، والمذهب والقومية، والمشارب، بقصد التعارف. بسم الله الرحمن الرحيم: "يا أيها الناس، إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل، لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم" صدق الله العظيم. إذن الإيمان، والعمل، والاستقامة، والتقوى هي المعايير الحقيقية في التمييز بين البشر، وليس أي شيء آخر.

ومن المؤكد أن هذه الفكرة، وهذه الدعوة، وهذا التأكيد على التنوع، وجد له صدى في تعددية المذاهب والملل والنحل. فالحياة لا يمكن أن تستقيم على فكر واحد، ورؤية واحدة، ورأي واحد. فالمذاهب ليست إلا سبلا متعددة في فهم الحياة، وتكوين المواقف. وهي ليست كما يتصور البعض، وسائل للاختلاف. ماكان يريده أحمد بن حنبل، والشافعي، وجعفر الصادق، والنعمان بن ثابت، وأنس بن مالك رضي الله عنهم جميعا، هو تسهيل أمور الحياة أمام الإنسان المسلم، وحل الإشكالات التي تعترضه سواء كانت سياسية، أم اقتصادية أم اجتماعية أم فكرية، وحسب البيئة التي يعيش فيها، ودون التفريط بأحكام الشريعة، وثوابت النص القرآني، والسنة النبوية.

هذا على الصعيد الفقهي. أما على الأصعدة الأخرى، فإننا نتلمس في تاريخنا، آثار اتجاهات فكرية متعددة فهناك المرجئة، والمعتزلة، والاشاعرة والخوارج، ثم السلفية بأجنحتها المختلفة. وكل تلك الاتجاهات والرؤى توضح - وبدون أدنى شك - أن الاختلاف رحمة. نعم "اختلاف أمتي رحمة" أي أن الاختلاف، وليس التطابق هو من سنن الحياة. وكما قال أحد الكتاب: "إذا رأيت اثنين متفقان في كل شيء فاحسب أن أحدهما لا بد أن يكون غبيا".

التعددية، كما أرى، ثقافة لا بد من تنميتها، منذ الصغر، في البيت، وفي المدرسة، وفي مكان العمل. ولا بد للأب، والأم، والمعلم، من أن يقوموا بدور مهم في هذا الاتجاه. ينبغي لهم جميعا أن يأخذوا أولادهم وبناتهم صغارا، وينمون لديهم الإحساس بالاختلاف مع الآخر، واحترام هذا الاختلاف.

أقول من خلال تجربتي في الحياة، وما تعلمت عليه أنا ومجايلي من مواليد أواخر الحرب العالمية الثانية 1945، وبدء حرب فلسطين 1948 أن أهلنا، آباءنا وأمهاتنا، أجدادنا وجداتنا، جيراننا ومعلمينا، كانوا يزرعون في أنفسنا احترام الآخرين، واحترام إراداتهم، واحترام خياراتهم. وهكذا عشنا مع الآخرين بأمن واحترام. كان أساتذتنا في المدرسة الابتدائية يربوننا على أن لا ندعي الأصل والفصل بقدر التزامنا بالأخلاق والأدب. كانوا يرددون أمامنا بيت الشعر الذي يقول:

كن ابن من شئت واكتسب أدبا ** يغنيك محموده عن النسب

وبيت الشعر الثاني الذي يقول:

لا تقل أصلي وفصلي هكذا ** إنما أصل الفتى ما قد حصل

ومن هنا فلقد كان التمييز يقوم على الأخلاق، والأدب لا الادعاء بالعشيرة أو الدين أو المذهب.

كانوا يرفضون أن ننظر للآخرين بمقت واستهجان. وأتذكر أن جدتي كانت تردد أن الله هو الذي خلقهم وليس ثمة داع للتكبر على الآخرين أو الادعاء بالأفضلية عليهم.

من هنا نمت وتعززت لدينا ثقافة احترام الآخر والاعتراف بالتعددية الدينية، والمذهبية، والقومية. وللأسف فإننا اليوم نفتقدها ونسعى لاحيائها.

يقينا أن الأحزاب السياسية في العراق على سبيل المثال، لم تقم بدورها التربوي كما يجب. أخفقت في تكريس ثقافة التعدد، بل بالعكس أسهمت في زيادة الفرقة والانقسام فتصارع أبناؤها، وتصادموا وكانت النتيجة إراقة المزيد من الدماء بدون أي سبب يذكر. وليس هنا مجال الإتيان بالأمثلة لكنني اتجرأ وأقول من هو الذي استفاد من وضع الصراع السياسي - الحزبي في الموصل بعد حركة 8 من مارس/آذار 1959 المسلحة. والجواب لا أحد. تعصب .. وتشدد.. وانقسام .. وعدم استقرار .. وضعف في الثقة .. وخوف البعض من البعض الآخر.

لا بد، إخواني وأخواتي، من أن نعمل جميعا من أجل زراعة الثقة بين بعضنا البعض. ليكن لكل واحد منا دينه، وليكن لكل واحد منا مذهبه، ولتكن لكل واحد منا قوميته، وليؤمن كل واحد منا بآرائه السياسية وتوجهاته الاقتصادية، ولكن ليحترم بعضنا بعضنا. وليغفر بعضنا لبعض. التمس لأخيك سبعين عذرا واسمحوا لي أن أقص عليكم قصة وهي:

يحكى أنه كان هناك ملك أعرج وكريم العين.. وقد استدعى الفنانين ليرسموا له صورة بحيث لا تظهر عيوبه، فرفض كل الفنانين ذلك. إذ كيف سيرسمون الملك بعينين وهو لا يملك سوى عين واحدة؟ وكيف سيصورونه بقدمين سليمتين وهو أعرج؟ ووسط هذا الرفض الجماعي قبل أحد الفنانين رسم الصورة، وبالفعل رسم صورة جميلة وفي غاية الروعة، وهي أنه رسم الملك واقفا وممسكا ببندقية صيد ويغمض إحدى عينيه ويحني قدمه العرجاء. وهــكذا رسم صورة الملك بلا عيــوب وبكل بساطـة. إذن لا بد أن نرسم صورة جيدة للآخرين. نستر الأخطاء فلا يوجد شخص خاليا من العيوب، وفي أنفسنا جانب إيجابي وجانب سلبي، فلنأخذ الجانب الإيجابي داخل أنفسنا وداخل أنفس الآخرين، ونترك الجانب السلبي فقط لراحتنا وراحة الآخرين. وقديما قال السيد المسيح عليه السلام "من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر" والله سبحانه يقبل التوبة، وخير التوابين الأوابين.

في السبعينيات من القرن الماضي، عينت في قسم التاريخ بكلية الآداب -جامعة الموصل، ووجدت التعددية بأحلى مظاهرها. هذا قومي، وذاك من الإخوان المسلمين، والثالث اشتراكي، والرابع ليبرالي. ولكننا كنا جميعا نجلس تحت قبة واحدة هي قبة الجامعة. ولم يمض وقت طويل حتى سادت الصبغة الواحدة، والرأي الواحد والذي كانت نتائجه وخيمة على البلد، وعلى الناس.

التعددية ثقافة وسلوك

التعددية ثقافة، وسلوك.. والثقافة والسلوك يحتاجان إلى تربية، وتنمية، وتطوير. يقول الفيلسوف الفرنسي المعروف فولتير: "أنا أخالفك الرأي .. لكني مستعد لان أموت من أجل أن تعبر عن رأيك"، وقبله قال الإمام الشافعي رضي الله عنه بوقت طويل: "رأيك صواب يحتمل الخطأ. ورأيي خطأ يحتمل الصواب"، أي اعتراف بالتعددية هذا؟! وأي احترام للرأي هذا؟! وأية روحية طيبة هذه؟! إنها ثقافة التعدد، وتعددية الثقافة. إنها احترام الإنسان، واحترام رأيه مهما كان مختلفا عن ما نعتقده وما نراه.

الله سبحانه وتعالى كرم الإنسان، وجعل الإنسان في أحسن تقويم. فلماذا يأتي البشر ليحتقر الإنسان، ويذل الإنسان، ويلغي حق الإنسان في أن يأخذ دوره في الحياة، ويعبر عن معتقده، ومذهبه، ودينه، ورأيه بحرية لا تتنافى مع القيم السائدة، والمتعارف عليها في كل مجتمع؟!

وهنا يمكن أن نقول إن الموسيقى والرياضة تسهمان إسهاما فاعلا في تنمية ثقافة التعددية واحترام الآخر. لقد تعارفنا جميعا على أن نقول بأن الموسيقى ثقافة عالمية. أو بعبارة أدق لغة عالمية. قد نسمع سيمفونية موزارت، وموسيقى جايكوفسكي، ونتأمل تماثيل مايكل انجلو، ونطرب لأم كلثوم، ونتلذذ بالمقام العراقي، ونعجب بغناء أديث بياف وفيروز. وطالما كانت الموسيقى هي لغة موحدة بين الشعوب، إذا ليس ثمة فرق في الفهم بين البشر. وكذلك الرياضة أنها اللغة الواحدة الموحدة التي تجمع بين الشعوب على مختلف ألوانها، وجنسياتها، ومواقعها. هذا لاعب كرة أرجنتيني نحبه. وتلك بطلة ساحة وميدان روسية نفرح عندما تفوز. وذاك بطل للسباحة مصري نصفق له. ورابع لاعب كرة سلة أميركي نحب أن نتفرج على اللعبة من أجله.

الرياضة بكل أنواعها تنمي الإنسان فكرا، وجسدا. تنمي عقله وقلبه. تنمي لديه الإحساس بالبطولة والتميز والتنافس الشريف. تنمي عنده ثقافة احترام الآخر. تنمي عنده ثقافة التعددية والإيمان بالاختلاف الذي هو رحمة.

قد يدخل المرء حديقة فلا يرى فيها إلا نوعا واحدا من الورد فيمل، وتنقبض نفسه، لكنه لو دخل حديقة ورأى الورود من كل صنف ورنك لانفتحت نفسه وأبتهج وسر. وهكذا الحياة، فهي متعددة في حالاتها، ومتحولة في أشكالها، ومتنوعة في تعقيداتها. والإنسان يصاب بالكآبة إذا ظلت الحياة على وتيرة واحدة، والرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم يقول: "من تساوى يوماه فهو مغبون"، فيوم الأحد يجب أن لا يشبه يوم السبت، ويوم الخميس يجب أن لا يشبه يوم الأربعاء. في كل يوم يجب على الإنسان أن يتغير ويتقدم ويتطور، عليه أن يقدم جديدا، جديدا في عملهن وجديدا في فكره، وجديدا في فلسفته ومواقفه إزاء الكون والمجتمع والحياة، وإلا فإنه يجمد، ويقف عند مستوى محدد، وتصاب مفاصله بالتصلب وقد يخرف.

القراءة مثل الرياضة، تنعش قلب الإنسان كما تنعش عقله، وذاكرته. اقرأ حتى لا تصاب ذاكرتك بالضعف. رأيت شيخ المؤرخين الموصليين الأستاذ سعيد الديوه جي وقد بلغ الـ 90 من عمره قبيل أيام من وفاته، وهو يتمتع بذاكرة شاب عمره 25 سنة. والسبب أن القلم لم يسقط من يده، وطقوس القراءة والكتابة لديه لم تتوقف، والحديث عن التاريخ والمستقبل لم يفارقه. وهكذا كان شيخ المؤرخين العرب الراحل الدكتور عبدالعزيز الدوري الذي فارقنا قبل أيام عن عمر ناهز الـ 100 عام ونيف.

لنرسخ ثقافة التعددية في مجتمعنا العربي ونبدأ بالطفولة، فقد تمر الأيام ويتحقق الأمل في نشأة جيل متفتح على الحياة يسهم في إغنائها، وتطويرها وتقدمها كما فعل أجداده العظماء حين بنوا دولتهم، ونشروا دينهم وقيمهم في مناطق العالم وبدون أن يحتاجوا إلى جندي واحد، والمثل على ذلك بلدان جنوب شرقي آسيا والصين.

 

هجوم دموي وسط نازحين من الموصل

لا خيار أمام قطر إلا الاستجابة للمطالب الخليجية أو 'الطلاق'

ايقاف ترحيل عراقيين مدانين في أميركا بصفة مؤقتة

مطالب خليجية تجبر قطر على تقديم تنازلات حقيقية لفك عزلتها

مصر تمدد حالة الطوارئ في مواجهة التهديدات الارهابية

قطر المربكة تمنع الاجازات عن العمال الأجانب

غضب وصدمة يخيمان على الموصل بعد تدمير مسجدها التاريخي

مشروع قانون أزهري يغلظ عقاب الكراهية باسم الاديان

قلوب العراقيين تنفطر بسبب تفجير منارة الحدباء

موسكو على درجة عالية من الثقة في مقتل البغدادي

جهود مكثفة لوقف ترحيل عراقيين من أميركا خشية تعرضهم للاضطهاد

منافذ فك عزلة قطر مغلقة أمام جهود أردوغان العقيمة

العبادي يرى أن الدولة الإسلامية أقرت بهزيمتها في الموصل


 
>>