First Published: 2013-11-02

قانون الأحوال الشخصية 'الجعفري' المقترح..هل هو عودة إلى الوراء؟

 

يؤسس القانون المقترح لدولة طائفية في العراق بفعل تقسيمه المنظومة القانونية على نحو يتعارض مع مبادئ الديمقراطية مما سيدفع البلاد قسراً نحو التقسيم.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: عماد رسن

طرح وزير العدل العراقي حسن الشمري مسودتي قانون الأحوال الشخصية الجعفري وقانون القضاء الجعفري لتتم مناقشتهما وإقرارهما في البرلمان العراقي مستفيداً من الفقرة 41 من الدستور والتي تنص على أن للعراقيين حرية الإلتزام باحوالهم الشخصية، حسب دياناتهم ومذاهبهم أو معتقداتهم أو اختياراتهم، والمادة 42 منه التي كفلت حرية الفكر والضمير والعقيدة لكل فرد عراقي.

لا أعلم إن كان السيد حسن الشمري قد قرأ مسودة الدستور العراقي جيداً أم أنه وقع ضحية التناقض الواضح بين المادة الثانية من الدستور بين الفقرتين "أ" التي تنص على أنه لا يسن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام والمادة "ب" التي تنص على أن لا يسن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية.

لا يهمني هنا حل هذا الإشكال الذي لا يبدو أن له حلاً لأنه يعبر عن تناقض واضح بين ماهو مرتبط بالغيب وماهو مرتبط بتجربة الإنسان، أو قل بين ما يُدعى بأنه سماوي وبين ماهو أرضي.

ولكن، وبالرغم من ذلك التناقض الأساسي والجوهري بين هاتين المنظومتين من القيم والمبادئ والتشريعات فإن هناك ما هو مشترك ومتفق عليه بين ما هو إسلامي وما هو ديمقراطي لكنه يخضع بالتأكيد لتفسيرات متعددة تجعل من الصعب حدوث ذلك التوافق كمبدأ حرية العقيدة والمساواة. ولكن السيد حسن الشمري ترك تلك التوافقات وركز على كل ما يناقض روح الديمقراطية في الفقرة "ب" في مسودتيه، السؤال المطروح هو كيف؟

من الناحية المبدئية، تناقض بعض فقرات القانون المقترح كثير من مبادئ المساواة بين الجنسين كموضوع الميراث مثلاً، بل يعود إلى الوراء فيما يخص وضع المرأة في المجتمع فهو يعتبرها ناقصة الأهلية حيث لا تستطيع تزويج نفسها وإن كانت أمرأة بالغة السن القانوني إن كانت بكراً ويشرعن ويمؤسس لزواج البنات القصر دون الثامنة عشرة والتي تعتبر خطوة إلى الوراء بالنسبة لوضع المرأة في المجتمع مقارنة بقانون الأحوال الشخصية لعام 1959، ناهيك عن عدم خروج المرأة من البيت إلا بموافقة الزوج مما يرسخ للثقافة الذكورية الأبوية بشكلها الهرمي الذي يناقض مبدأ المساواة الذي أقره الدستور.

كذلك يكرس ويميز هذا القانون على أساس الدين حين يمنع الميراث عن غير المسلم فيما يجيزه للمسلم الذي يرث من غير المسلم وهذا تناقض واضح وصريح مع مبدأ المساواة المنصوص عليه بالدستور بأن العراقيين متساوون أمام القانون بغض النظر عن معتقداتهم وجنسهم وعرقهم حسب المادة 14 من الحقوق المدنية والسياسية.

الأكثر من ذلك أن تلك القوانين ستعارض الكثير من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية فيما يخص حقوق المرأة وحرية المعتقد وحقوق الطفل...إلخ، مما يجعل الدولة ومؤسساتها في مواجهة منظمات دولية لها وزنها كمنظمات تابعة للأمم المتحدة.

من جهة أخرى، هناك إشكالات عديدة ستحول دون تطبيق هذه القوانين من الناحية العملية، مثلاً، إذا كان أحد المدعين يريد أن يحكم له حسب القانون الجعفري والآخر حسب الفقه المالكي أو الحنفي، فيما يخص الإرث، أو كيفية التعامل مع قضايا الزواج المختلط بين السني والشيعية أو العكس أو بين الأديان المختلفة.

أضف إلى ذلك أن تلك المنظومة القضائية ستتبع المذهب الجعفري الإثني عشري وكلنا يعرف أن هناك الآلاف من المجتهدين والعشرات من مراجع التقليد في مختلف دول العالم وكل له رسالته الفقهية التي يختلف بها عن الآخرين وكل له مقلدوه الذين لا يستطيعون اتباع مرجع آخر فكيف سيتم التوافق على صيغة واحدة لمفهوم قوانين الفقه الجعفري؟

هل ستكون المرجعية الدينية هي المسؤولة عن تفسيرات تلك القوانين؟

إذا كان الجواب نعم، فنحن أمام سلطة قانونية جديدة لا تنسجم مع مبدأ الديمقراطية بتعدد المنظومات القضائية وأمام احتكار تفسير النصوص القانونية الشرعية من قبل مدرسة واحدة مما يجعلها ذات سلطة ونفوذ كبيرين في المجتمع والأفراد وباقي المدارس والحوزات في داخل المذهب الواحد.

إذن، توجد هناك الكثير من الإشكلات العملية في تطبيق هذا القانون، ولكن، ومن الناحية المعيارية، إلى ماذا سيؤسس هذا القانون وهل يرسخ فعلاً الديمقراطية كما منصوص في فقراته الأخيرة؟ أن هذا القانون، إذا أقر، وفي هذه الأجواء المشحونة بالطائفية، سيحث السنة على تشريع قانون مستوحى من الفقه الحنفي والمالكي والحنبلي وربما حتى من فقه ابن تيمية وابن الجوزي بنسختهما السلفية وسيقر تحت نفس المبدأ، بل يجعل للمسيحين محاكمهم والأيزيديين والصابئة واليهود واللادينيين وهكذا.

فهل نحن أمام منظومات قضائية متداخلية ومتشابكة بشكل لا يمكن التغاضي عنه مما يخلق ارتباكاً قانونياً وبالتالي اجتماعياً بين الطوائف والأديان والقوميات والأعراق.

نعم، أنه سيؤسس لدولة طائفية من خلال تقسيم منظومتها القانونية في تمييز لقوانينها للأحوال الشخصية. إذا كانت النتيجة ستكون كذلك، فكيف ستترسخ الديمقراطية، هل تترسخ بالتقسيم؟

نعم، إن ترسيخ الديمقراطية لا ينسجم أبداً إلا مع ترسيخ مفهوم المواطنة ولا بد أن تكون منظومته التشريعية والقانونية على أساس المواطنة لا أي أمر آخر، إلا أن ما يطرحه الشمري هو تأسيس منظومة قضائية قائمة على أساس الإعتقاد والهوية الدينية.

إذن، ستكون لنا منظومتان قضائيتان وتشريعتيان واحدة مدنية والأخرى دينية أو منظومات آخر إذا ما طلبت باقي الطوائف أن يؤسس نظماً قضائية خاصة بها.

ولكن، أليس من حق المواطن في بلد ديمقراطي أن يكون حراً في اختبار قانون الأحوال الشخصية الذي ينسجم مع معتقده وثقافته النابعة من بيئته؟ بالتأكيد نعم، ولكن، نحن هنا أمام تعارض بين المصلحة الشخصية لفرد ما أو لمجموعة إثنية أو دينية أو طائفية مع المصلحة العامة التي يتوافق عليها الجميع.

الحل يكمن في ما هي الكيفية التي تحل بها التناقضات في مجتمعات متعددة الثقافات والتي تقر بالحقوق الخاصة لمجموعة دينية أو ثقافية أو عرقية ككندا والسويد وبريطانيا، ولا أريد أن أذهب بعيداً لدول تركز على الفرد ولا تقر حق تلك المجموعات كفرنسا وتركيا والولايات المتحدة الأميركية.

لا بد من وجود قانون للأحوال الشخصية على أساس المواطنة وليس العقيدة، ولكن من حق باقي الطوائف والأديان أن تتبع بعض القوانين الخاصة التي تميزهم كهوية مستقلة في الزواج والإرث وباقي القضايا، أي ترسيخ مبدأ التعددية وإحترام الهوية الفرعية، ولكن، يجب أن تنسجم تلك القوانين الخاصة مع روح الديمقراطية ولاتصطدم بمبدأ من مبادئ الدستور كحرية العقيدة أو مبدأ المساواة بين الجنسين مثلاً، وإلا تكون الأولوية لمبدأ القانون المدني.

نعود للسؤال، هل هي عودة للوراء بمسودتي قانون الأحوال الشخصية الجعفري وقانون القضاء الجعفري؟ بالتأكيد نعم، بالخصوص وضع المرأة التي ستخسر كثيراً من حقوقها. أضف إلى ذلك فإن هذا القانون سيرسخ التعددية دون أن يدعم الديمقراطية.

إن من المهم جداً رسم صورة مستقبلية لكل جهة من جهات المجتمع والدولة وبالخصوص نظامهما القضائي فهو وجهها الحضاري الأكثر بروزاً. ولا بد لهذه الصورة أن تنسجم مع الدستور ولا تناقض فقراته ومبادئه التي ليست فيها عودة للوراء بعد عقود طويلة من الدكتاتورية التي لا نريد أن نستبدلها بأخرى تحت مسميات تدغدغ مشاعر الجماهير باسم الدين والطائفة وما هي إلا قنابل موقوتة عندما تتحول إلى تناقضات داخل الدستور والتي تعيق كل تقدم ينشده المجتمع.

 

عماد رسن

Imad_rasan@hotmail.com

 
عماد رسن
 
أرشيف الكاتب
الأقليات في العراق وزحف الصحراء
2014-07-22
داعش... توازن الرعب وعمود الكهرباء
2014-07-14
من أجل تحالف دولي لمحاربة داعش
2014-07-04
حكومة انقاذ وطني لتطويق الأزمة في العراق
2014-06-13
الانتخابات في العراق والخيارات الصعبة
2014-04-29
الموت في موسم الانتخابات
2014-03-24
ضحايا أم إرهابيون في الإعلام السعودي؟
2014-03-19
لماذا الإمام الحسين... لماذا عاشوراء؟
2013-11-12
قانون الأحوال الشخصية 'الجعفري' المقترح..هل هو عودة إلى الوراء؟
2013-11-02
ما مر عام والعراق ليس فيه جوع
2013-10-22
المزيد