First Published: 2017-03-20

نحو تحرير الثقافة العالمية من هيمنة المعيارية الغربية: الثقافة العربية المعاصرة نموذجا (3 / 3)

 

تنظير صاحب هذه البحث (وهذه السطور) يأتي بديلا للدور المهيمن الذي تلعبه آليات السوق العالمية في الترويج للأدبيات الغربية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. مجدى يوسف

طرح إبستمولوجي لصياغة المكان

أخيرا نتطرق إلى المحور الأخير في اللقاء البحثى، وهو محور الفن حيث اخترت العمارة بوصفها معبرة عن مجمل الفنون التشكيلية ذات الطابع الجمالي والاستعمالي في آن.

وفي هذا السياق قدم الدكتور "جيمس ستيل"، أستاذ العمارة المرموق بجامعة جنوب كاليفورنيا بحثاً موضوعه: عمارة الهوية عند حسن فتحي وراسم بدران. تطرق فيه الباحث إلى تطور المهندس حسن فتحي من تابع لنماذج العمارة الغربية في أوائل القرن الماضي إلى ناقد للتبعية لها منذ الثلاثينيات والأربعينيات. وأن 'عمارة الفقراء' التي اشتهر بها لم تجد الصدى الذي كان يأمله لها صاحبها، بينما وجد ذلك أحد تلامذة حسن فتحي، وهو المعماري الأردني، فلسطيني الأصل، راسم بدران الذي أصبحت له شهرة عالمية في تجديد العمارة الإسلامية على وجه الخصوص.

وهنا انبرى الباحث الألماني "أندرياس فايلاند" يرد على "جيمس ستيل" في بحث مكون من تسع وثمانين صفحة، عاد واختصره بناء على طلبي إلى خمس عشرة صفحة يبين فيه أهمية الإسهام العالمي لحسن فتحي. وقد عنون بحثه بعبارة: القيمة الاستعمالية تجب القيم المحض جمالية.

وقد اختلف "فايلاند" في بحثه المتعمق مع "ستيل" في رؤيته لعمارة حسن فتحي. فهي لم تنبع - في رأيه - من مجرد نزعة وطنية في مقابل هيمنة العمارة الغربية وطرزها، وإنما من انحياز حسن فتحي لإشباع حاجة البسطاء من أهل الريف إلى مسكن مناسب يأوون إليه، وذلك مع الاسترشاد بآخر ما توصلت إليه المعرفة البشرية من اكتشافات لقوانين تيارات الهواء التي تؤكد نظرية 'الملاقف' في العمارة العربية الموروثة وما اتصل بها من قباب.

كما أن حسن فتحي قد وعى أن بيوت الفلاحين في مصر تقوم على نظمهم القيمية التي تحث على التضامن لبناء كل دار جديدة في القرية، ومعاقبة من يخرج على هذا الإجماع أدبيا، واجتماعيا بنبذه وعدم التعامل معه.

ثم ألقى المهندس المعماري د. راسم بدران (الأردن) بحثا موضوعه: روائية المكان، حيث استهله بقوله: إن الفراغ المعماري مرتبط بثقافة المكان بما له من تاريخ وتنوع بيئي ومناخي وعادات وتقاليد وطبائع موروثة، ولغة ونسق عقائدي خاص. فعندما يفقد الفراغ المعماري شروطه الخاصة ويتطابق مع الفراغ الهندسي تتحول العمارة إلى منظومة وظيفية يسهل استبدالها ونسخها في أي مكان في العالم لفقدانها مقومات العلاقة الحميمة مع من يجاورها فتغيب عنها صفة استمرار التراث الحي.

فالتوالد المتجدد للعمارة يحمل المعنى التراثي في داخله فهو معرفة متجددة لحالة غير منتهية من التكوين والتي تنتج عن علاقة مركبة من خلال جذب المكان للإنسان المشكل لهذا المكان فيتوالد عمل تراثي متجدد يلبس لبوسا متغيرا مندمغاً بالمكان وقوة جذبه للإنسان.

وبعد أن قدم تحليلا لعدة نماذج من ِأهمها مدينة صنعاء التاريخية، خلص راسم بدران إلى القول:

إن مقاربتنا هذه ما هي إلا طرح إبستمولوجي لصياغة المكان كي لا تتحول مدننا إلى مقابر خالية من الحياة، ينتظر الفرد فيها لحظة الخلاص الأبدية ، وكي لا ندع من يخلفنا في حيرة من المجهول، وكي لا نتمثل ما هو إنساني اجتماعي بوسائط الحضارة المادية المعاصرة المؤقتة (منظومة الاستهلاك)، علينا أن نسعى إذن لتهيئة حيز عمراني عضوي أليف متحرك يعمره الكبار بلهوهم، والصغار بلعبهم الاكتشافي على حد سواء لتصبح مدناً ذات معنى تحقق التوازن ما بين المادي والروحي.

وهكذا فقد أكدت كافة بحوث هذا اللقاء البحثى، وما دار فيه من نقاش وتعليقات من جانب كبار الباحثين العرب والغربيين، على أن أية معرفة تخصصية هي إنما معرفة تخص مجتمعا محددا، وتنبع من الأسئلة التي يطرحها، وليست مجرد معرفة 'عامة' تطبق على أي مجتمع من خارجه، بينما هي مستخلصة في الأصل من الإجابة عن أسئلة مجتمع مختلف، تستجيب لاحتياجاته في المقام الأول، ومهما تجاوزتها، فهي في النهاية قائمة عليها، 'متخصصة' في إشباعها. وهو ما لا يعني الانغلاق على أسئلة الذات الاجتماعية الثقافية في خصوصيتها النسبية، وإنما يكون الانطلاق منها والتأسيس عليها في اختبار مدى مصداقية ما تقدمه الخصوصيات الاجتماعية الأخرى من نتائج وحلول نابعة عنها، مهما كانت مبهرة أو متميزة.

ومن ثم فالإضافة إليها تكون ابتداء من الاختلاف الموضوعي بين الذات والآخر المجتمعي، الذي يشكل الوعي به أول شروط التبادل الثقافي والازدهار الحضاري الحق القائم على ندية إنتاج المعارف والحلول، وبذلك تصبح الإضافة عملية إنتاجية موازية لها، ومبدعة لثقافة الذات وسائر الثقافات على مستوى العالم أجمع في آن.

هو إذن نموذج بديل لعالمية جديدة تقوم على احترام الاختلاف الموضوعي بين الثقافات وتعميق القدرة على الانفتاح الإبداعي بينها تأسيسا على الوعي بذلك الاختلاف الموضوعي اجتماعيا، وبيئيا، وتراثيا، بما يحقق إثراء لثقافة الإنسان المعاصر بديلا لذلك التسطيح المتعارض مع أية تبادل ثقافي حق، والذي تلعب آليات السوق العالمية دورا سالبا في انتشاره على مستوى العالم.

ثم جاء دور كاتب هذه السطور ليس بوصفه منظما لهذا اللقاء البحثي، وإنما كمشارك فيه ليلقي في ختام اللقاء ورقة عنوانها "مدخل منهجي بديل لدرس العلاقة بين الأدب العربي الحديث والأدب العالمي"، قدم فيها نقدا للنظريات الغربية القائلة بالتثاقف والتثقف من الخارج، بوصفها تؤكد على سياق إنتاج الأثر الثقافي، مهمشة لسياق استقباله، بينما عمد كاتب هذه السطور لتوضيح أهمية سياق الاستقبال في جدلية علاقته بسياق الإنتاج الأدبي والثقافي في إضفاء أبعاد جديدة على العمل الأدبى ربما لم تخطر أصلا على ذهن كاتبه حين كتبه في سياق مختلف. ومن هنا يتحول سياق الاستقبال إلى سياق منتج، بل مبدع لعمل ثقافي مواز للعمل الأصلي.

كما أضاف هنا صاحب هذا البحث مقترحا للتمييز بين الاستقبال الواعي بالاختلاف الموضوعي بينه وبين سياق إنتاج النص الأصلي، حيث يصبح مبدعا ومضيفا إليه، والاستقبال الأقل وعيا بهذا الاختلاف الموضوعي، إذ يظل يراوح مكانه في إطار "صورة" الآخر كما تتمثل لدى الذات انبهارا بها أو رفضا لها من منظور يمكن أن يوصف بالمركزية العرقية المتريفة.

هكذا يأتي تنظير صاحب هذه البحث (وهذه السطور) بديلا للدور المهيمن الذي تلعبه آليات السوق العالمية في الترويج للأدبيات الغربية، ومن ثم هيمنة معاييرها على سواها من الآداب غير الغربية (أنظر معايير جائزة نوبل فى الأدب على سبيل المثال)، مقترحا ندية كاملة بين كافة الآداب سواء كانت 'غربية كانت أو شرقية على مستوى العالم أجمع.

مما سبق نخلص لما يلى:

إذا كان نمط الإنتاج السائد على الصعيد العالمى فى أزمة مستفحلة بسبب اعتماده على آليات السوق العالمية، واستهدافه منذ نشأته الأولى تعظيم الربح النقدى للأفراد على حساب مجموع البشر، وبلا أية احترام لمتطلبات البيئة الطبيعية والإكولوجية، فضلا عن انتهاكه لحقوق معظم البشر في عالم اليوم، فإنه من الحماقة أن نمضي في إثره بحثا عن إشباع حاجاتنا عن طريق السوق الدولية، بينما نملك كل تلك الطاقات الإنتاجية التي يمكنها أن تحقق، لو وظفت في مشاريع إنتاجية قومية عامة على نطاق القطر المصري بأكمله، فيضا من إنتاج الغذاء، والكساء، والدواء، والمسكن الملائم، والمواصلات (إن بلدا كإندونيسيا ينتج وسيلة المواصلات الرئيسية فيه: الفسبا) وهو ما يمكن أن يحدث نقلة نوعية تشابه في إنجازاتها انتصارات الشعب المصري على تحديات حرب أكتوبر.

وبما أن ذلك كله لا يتحقق سوى من خلال مختلف التخصصات التي نتوفر على تعلمها في مدارسنا ومعاهد العلم عندنا، فيجب أن توجه هذه في المقام الأول لخدمة هذا المشروع القومي المستقل.

وفي هذه الحالة تصبح علاقتنا بالخارج، لاسيما الغربي نابعة من وعينا باختلافنا الموضوعي عما توصل إليه من حلول مهما كانت مركبة أو متماسكة. فحلوله مهما كان شأنها إنما هي نابعة من سياقاته هو المختلفة موضوعيا عن سياقاتنا المجتمعية، بل ومن تراكم الثروات المادية لديه على حساب شعوبنا، وهو ما يجب أن يحفزنا على أن نوجد سبلا نروض بها هذا التحدي. فمن خلال الوعي بالاختلاف تكمن القدرة على الإضافة والتحدي.

لكن ذلك لن يتأتى إلا بمشروع قومي عام يجيش له وعي كافة المواطنين: مشروع يجند فيه الجميع لخدمة الجميع في هذا البلد. عندئذ لن نرى ظاهرة الهروب للخارج عبر البحار لأن الأمل العام سيظللنا جميعا. ومن خلال هذا التوجه العام للمجتمع المصري يمكن أن تنعدى منه سائر المجتمعات المهمشة في عالم اليوم، من الهند وباكستان إلى سواهما من أكثر الأقطار معاناة من الفقر والعوز لتصبح من أكثرها عطاءً لذاتها وللبشرية على حد سواء. بل سنجد العديد من الشعوب الغربية ذاتها تقف تحية لنا ورغبة في التعلم من تجربتنا التحريرية هذه. ومن ثم يمكن أن تظهر في الأفق معالم ثقافة عالمية بديلة تقوم على ندية التفاعل بين مختلف المجتمعات على أسس مقاربة للرشادة العلمية الحقة.

هل أكون مفرطا في التفاؤل إذن؟

فلنجرب هذا السبيل ولن نخسر سوى ما نحن فيه الآن من أزمة مستفحلة بكل المقاييس. ولا ننسى أن إطلاق هذا النداء من كلية الألسن هو الأنسب باعتبارها أنشئت في الأساس لإشباع احتياجات مجتمعنا المصري عن طريق درس آخر ما توصلت إليه المجتمعات المتقدمة في مختلف التخصصات لا سيما العلمية الطبيعية والتطبيقية، وليس في الآداب القومية وحدها كي تصبح لنا بصمتنا التاريخية التي بلغت حتى نهاية العقد الرابع من القرن الثامن عشر من منتصف آسيا لمنتصف أفريقيا.

د. مجدى يوسف ـ رئيس الرابطة الدولية لدراسات التداخل الحضارى (جامعة بريمن)

 

رائحة الموت وركام المباني الوجه الجديد للمدينة القديمة بالموصل

البحرين تتهم قطر بالسعي الى تصعيد عسكري بدعم تركي

استعادة حي الفاروق المقابل لجامع النوري المدمر في الموصل

روحاني يعثر على فرصة في عزلة قطر

عيد بلا دولة اسلامية ولا مئذنة حدباء في الموصل


 
>>