First Published: 2017-10-06

رؤية إستراتجية لعالم جديد يتشكل – تراكم النكسات والهزائم

 

ضاع النضال وحلت العقلانية محله. كلها تبريرات لقبول تغيرات العصر.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: صباح علي الشاهر

في ذروة الصعود الغربي، بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي وما كان يُسمى المعسكر الإشتراكي، أعلنت أميركا عبر سياسيها أن العالم أصبح أحادي القطبية. أما مفكروها فقد أعلنوا نهاية التأريخ. كانت هذه هي مرحلة التيه والضياع لشعوب عديدة في العالم، وبالأخص ما كان يعرف بالبلدان النامية. أما ما كان يعرف بشعوب المعكسر الإشتراكي فقد بدلوا جلودهم وإنضموا كجنود مخلصين للمعسكر الرأسمالي الذي حاربوه عقوداً، لا بل أنهم أصبحوا أشد أعداء لمن كانوا جزءاً منهم، جورجيا، وأوكرانيا، وبلدان البلطيق، وبلغاريا، نموذجاً، وأصبحت وجهة حركات يسارية وأحزاب شيوعية البيت الأبيض بدل الكرملين، حيث صحوا فجأة وأكتشفوا أهمية الليبرالية والديمقراطية الغربية، وخطل النضال ضد الإستعمار والرأسمالية التي هي مرحلة ضرورية ولازمة للتطور. وإنقلب بعضهم ليسخف كل ما كان يدافع عنه سابقاً بذريعة أنهم كانوا مخدوعين، وليصبحوا فرسان الإعلام الرجعي، وإعلام التخلف، وبعد أن كان لينين معبوداً أضحى مذموماً، وبعد أن كان التغني بالوطنية والنضال علامة النضج والرقي أصبح رديفاً للتخلف والإنغلاق، وإبدلت مصطلحات العدالة الاجتماعية والإشتراكية، بمصطلحات عائمة كالمدنية، وأبدلت النقابات العمالية والمهنية، حيث مصالح الأعضاء والمنتسبين واضحة توحد منتسبيها، بمنظمات المجتمع المدني الزئبقية التي لا يستطيع أي منها إكتشاف مشترك يوحد المنتسبين إليها خارج التهويمات البلاغية والشعائرية، وتحوّل الوحدويون بقدرة قادر إلى دعاة للتجزئة والإنفصال، مستلهمين مثال الدويلات المجهرية في النمو، وأصبحت علامة التقدمي والمتطور هي تسخيف كل القيم، وفي مقدمتها قيم الوطنية والسيادة، وطفقوا في تحقير كل الرموز قديماً وحديثاً، متناسين أن سيدهم الأميركي يقدس علمه، ويحشره في كل شيء مع أن علمه كباقي الأعلام خرقة، هم يميزون بين الخرقة والرمز، ونحن لا نميز، لقد أصبحنا بدون لون أو طعم أو مذاق، لقد دخلنا عصر ما بعد بعد الحداثة!

لسنا ممن يحنون لمرحلة الحرب الباردة، إذ لم تكن تلك المرحلة مرحلة وردية، لكن الشعوب المستضعفة، والتي كانت مستعمرة، كانت تجد هامشاً بين العملاقين، وكان هذا الهامش يتسع تارة ويضيق تارة أخرى، لكنه بالمحصلة يوفر لهذه الدول وشعوبها بعض المكاسب النسبية. أما بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي والمعسكر الإشتراكي فقد فقدت هذه الدول هذا الهامش، وبفترة قياسية تعرضت إلى دمار لا مثيل له، ما زالت تبعاته مستمرة لحد الآن، ولربما ستبقى لأمد طويل. دمر العراق وأحتل، وهو أول بلد يحصل على إستقلاله الشكلي في القرن العشرين، وأصبح أول بلد يُحتل في القرن الواحد والعشرين، ودمرت ليبيا وتشظت، ولا أحد يعرف حتى الآن أين أصبح الذهب الذي كان يحتفظ به القذافي كرصيد للدينار الأفريقي، وتقدر قيمته بمئات مليارات الدولارات، وتسرب السلاح الذي هو بمئات المليارات أيضاً ليكون بأيدي المنظمات الإرهابية التي أكملت ما بدأه الغرب من دمار، وتعرضت سوريا إلى سحق منظم ومُخطط له، ودُمرت اليمن، وأفلحت تونس في الخلاص من المصير المظلم الذي كان بإنتظارها، وأجل موضوع مصر إلى حين، ولم يختلف وضع الدول الأفريقية، خصوصاً تلك التي كانت محسوبة على المحور المنهار من الدمار الذي حل بأمة العرب، وكأنها تُعاقب على مرحلة التحرر، ورفع رأسها بوجه الدول المستعمرة، وانعدمت أو تصاغرت السياسات النقدية المستقلة في بلدان العالم الثالث، وبات صندوق النقد الدولي هو من يتحكم بالسياسات النقدية، لا وزارات المال أو البنوك الوطنية المركزية.

وخلا العالم من جواهر لال نهرو، وجمال عبدالناصر، وأحمد سوكارنو، وبومدين، وتيتو، وهوشي منه، وأحمد سيكتوري، ونكروما، وحل محلهم رؤساء وقادة خوارين، وغير مؤهلين، مذعورين، ومنعزلين عن شعوبهم، يعملون كل ما في وسعهم لإرضاء أميركا، التي لا يرضيها العجب، فكانت حيرتهم بمقدار خيبتهم، وبعد أن كنا نسمع صوت غروميكو القوي والواضح وهو يدافع عن حق الشعوب في الحرية، أصبحنا نسمع فحيح المتقلب المداهن، الصهيوني المتلون تشيفرنادزة، والذي عبر أحسن تعبير عن المرحلة الإنحطاطية التي وصل إليها الإتحاد السوفيتي في مرحلته الأخيرة.

أكان هذا هو نصر قوى الإستغلال وإستعباد الشعوب المؤزر؟

بدا الأمر للكثيرين كذلك، خصوصاً بعد إنهيار قوى التقدم الفاضح، وتهاوي قلاع كانت إلى وقت قريب منيعة، ولم تعد ثمة بوصلة تشير إلى أيما هدف، فكل الأهداف أضحت محط سخرية من لدن الذين كانوا مثال التشدد، أولئك المؤمنين لحد النخاع بالحتميات الـتأريخية وإذا بهم أول من يستهزئ بالوطنية، والإستقلال والسيادة، وكفاح الشعوب لنيل حقوقها المشروعة، لقد حلت "العقلانية" كمصطلح بديل عن "النضال" الذي عدوه المقابل الضدي للعقلانية، وأعتبروا الرموز الوطنية والقومية والثورية، ليس أكثر من ديناصورات تجاوزهم الزمن، ولم يسلم من سخريتهم حتى أولئك الذين رحلوا بعد أن حققوا لشعوبهم الإستقلال والسيادة، ووضعوا بلدانهم على خارطة الدول الفاعلة في هذا العالم.

وسط التشاؤم، وتراكم النكسات والهزائم، لم يعد ثمة من يسأل هوشي منه أم برنارد ليفي، كوشنير أم جيفارا، ولا حتى غاندي أم زلماي خليل زاد أو نلسن مانديلا أم كوهين؟

 

صباح علي الشاهر

الاسم هارب من أشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

مشكلة الإنسان دائما في ولادته الخاطئة في بيئة خاطئة ونموه الخاطيء ، تجعله متحفزا لإثبات ذاته من خلال فناء الآخر. النظام العالمي الجديد هو الأوعية المتنوعة الأحجام لكي تأخذ الحضارات مكانها أمام شمس الحقيقة ، والوهم سمك ينتحر.

2017-10-07

الاسم هارب من أشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

الغابة ستقبل بكل أنواع النباتات ، ولكن الإشجارة الباسقة ستفرض ظلها في ثنائية الحماية والزوال ، وتداخلها وتطاولها يفرض عليها الاستقامة .والأشعة لن تشرق على الجذور ، ورؤس الأشجار العالية تتسابق لجعل السيقان ضخمة وصلبة ، هذه الحضارة.

2017-10-07

الاسم هارب من أشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

النظام العالمي الجديد هو انكشاف الأفراد والجماعات والدول ، وتسطح كنهها أمام بعضها البعض. الوهم والمخفي والمقدس ينهار أمام حتمية تعري الحقيقة ، وتحول الكذب كمدخل للغرور الإنساني الى كرباج لجلد الذات ، والنور سيفتك بالظلام لصالح الحقيقة.

2017-10-07

 
صباح علي الشاهر
 
أرشيف الكاتب
رؤية إستراتجية لعالم جديد يتشكل – تراكم النكسات والهزائم
2017-10-06
رؤية استراتيجية لعالم جديد يتشكل- التيه والعبثية
2017-09-16
لمن الغلبة لحدود الدم أم التعايش؟
2017-09-09
في رسم الساعين إلى إنفصال كردستان: نقاط ينبغي أن توضع بالحسبان
2017-08-11
هل يطيب العيش في الوقت الضائع؟
2017-06-23
النضال ضد الجهل أهم من النضال الطبقي
2017-06-05
ولاية الفقيه والخلافة والضائع بينهما
2017-05-11
حكومة تستقيل من مهامها لا لزوم لها
2017-05-02
كيف تحول الذين لا قاعدة جماهيرية لهم إلى فرسان صناديق الإقتراعات؟
2017-03-21
مساهمة للبحث في جذور الكارثة في العراق
2017-03-09
المزيد

 
>>