First Published: 2007-09-27

رؤية تاريخانية لاستشراف مسار الدمقرطة في الظرفية العربية: الديمقراطية، حتمية أم إمكانية؟

 

بقلم: طارق الكحلاوي

أضحى الامتناع عن الدمقرطة في الوضع العربي مسألة جدال كوني: ما هو مدى الاستعداد العربي أو الإسلامي لتقبل الديمقراطية؛ وهل ثمة استثناء عربي أو إسلامي في مسار الدمقرطة؟

 

ميدل ايست أونلاين

لا يعني التساؤل في إمكان الديمقراطية التشكيك في بعدها القيمي الإنساني. لكن من المؤكد أن التغافل عن طرح أسئلة موجعة من هذا النوع لن يساهم في تحقق الديمقراطية. أكثر من ذلك، لا يبدو أننا سنسدي خدمة حقيقية لمسار الدمقرطة في حالة ما إذا تهربنا من التفكير فيه وليس "النضال من أجله" فحسب. وهذا يعني تحديدا طرح أسئلة لا تقبل أجوبة قيمية أو إرادوية تخوض فيما نرغب فيه أكثر مما تخوض فيما هو ممكن. وبمعنى آخر بمعزل عن رغبتنا في الديمقراطية فإنه لا يوجد ما يضمن أنها ستتحقق في هذا الجيل وحتى الأجيال التي تليه. حيث هناك عوامل أكثر حسما من نوايا بعض "الديمقراطيين" والقيمة الإنسانية للديمقراطية حتى يمكن لها أن تتحقق. وفي جميع الأحوال علينا أن نتذكر أن الشكل الحديث للديمقراطية هو تجربة محدودة للغاية زمنيا مقابل الحالة شبه الأزلية للمجتمع ما قبل الديمقراطي. ولذلك فهي تجربة هشة وبالرغم كل الضمانات "الجدلية" التي قدمتها الهيجلية بشكل متواتر، خاصة عبر ضمانة "نهاية التاريخ"، إلا أنه ليس هناك فعلا ما يضمن الرجوع الى الوراء. كما أن الحتميات الهيجلية والنيوهيجلية (مثلما يعرضها فرانسيس فوكوياما) في علاقة بالليبرالية السياسية تبدو في أزمة، خاصة بعدما توفر ما يكفي من الأدلة لكي نفهم أن الليبرالية الاقتصادية لا تحمل معها حتما لازمتها السياسية. في مقابل ذلك يبدو من غير الجدية أن نتخيل تحولات ديمقراطية لمجرد وجود رغبات إرادوية تعتقد "إمكانية" خلق الديمقراطية خارج ظروف موضوعية محددة. سيتم التعرض لهذه المفارقة من خلال: أولا، إقتراح مقاربة مفهومية "فارابية" يمكن أن تساعد على تفكيك الشرط المستديم للمجتمع ما قبل الديمقراطي. ثانيا، مقاربة تاريخانية لتجارب صناعة الديمقراطية. ثالثا وأخيرا، عرض استنتاجات أولية لمقاربة الوضع العربي بشكل خاص.

معادلة إجتماع القاهر والمقهور

تبدو الرؤى الجوهرانية، أي الرؤى التي تمنح جوهرا ثابتا لظاهرة محددة، فاشلة لأنها لا تستطيع تحمل الديناميكية التاريخية. وبمعنى تبسيطي لا يمكن مثلا للرؤية الجوهرانية التي سادت في حالات الاحتلال العسكري المباشر والتي صورت "العربي" ككسول جاهل لا يقوى على حكم نفسه بأي حال أن تتحمل الديناميكية التاريخية التي حملت الشعوب المستعمرة في منطقتنا نحو مرفأ الإستقلالات بمعزل عما إذا كان مآل الاستقلالات هذه مثمرا للجميع أم لا.

ولكن بالرغم من الحدود البديهية للرؤى الجوهرانية فإنها ليست مستحيلة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار بنى تاريخية "قصيرة" وهي بنى زمنية تستوعب أجيالا كاملة تبدو معطلة وخارج التاريخ. من بين الرؤى الجوهرانية التي تهمني هنا هي الرؤية التي ترى عدم قابلية شعب أو مجال جيوسياسي محدد لتحقيق الديمقراطية بما تعنيه من مؤسسات قيمية بما في ذلك حرية التعبير. وفي الوهلة الأولى تبدو هذه الرؤية ليس فقط جوهرانية ومن ثمة غير واقعية من الزاوية التاريخية بل أيضا شديدة القسوة ومحبطة للآمال وحتى عنصرية. غير أنه من البلادة القفز لمثل هذه الاستنتاجات من دون الاعتراف أولا بأن "عدم القابلية للديمقراطية" هي أمر حقيقي وطبيعي طالما لم تتوفر ما يكفي من الأسباب حتى تتحقق. وهكذا هناك إمكان لأن يكون "جوهر ظاهرة ما ثابتا" حالما لم تتوفر العوامل الكافية لأن تعصف به الديناميكية التاريخية. فالأخيرة ليست أمرا إعتباطيا بقدر ما هي مشروطة وتتوقف ليس على فعل مانع الديمقراطية بل الأهم من ذلك على إستعداد المعني بتحققها. وبمعنى آخر عدم تحقق الديمقراطية لا ينشأ عن عامل القهر غير الديمقراطي فحسب بل بالأساس عن عامل عدم إستعداد المقهور للتضحية بما هو عليه لكي يقتحم عالم غيرالمقهورين سياسيا.

يتيح لنا ذلك أن نقارب موضوع إستدامة القهر زمنيا من جهة مختلفة عن الجهة الروتينية التي تضعنا أمام صراع (وهمي أحيانا كثيرة) بين القاهر ومقهوريه. حيث تبدو استدامة القهر ممكنة بالأساس وبالرغم من التضاد المصلحي بين القاهر والمقهور بفضل توفر بنية مشتركة بينهما، أساس واحد يجمع فيه الطرفين على "عدالة" و"وجاهة" إستدامة حالة القهر. يمكن إختزال هذه الظاهرة في مفهوم "إجتماع القاهر والمقهور". وبالرغم من أن ذلك يبدو في غاية الغرابة وباعثا على الاحباط إلا أنه يمثل ظاهرة قديمة، ربما قدم الاجتماع البشري. وفي الحقيقة لن نحتاج لاكتشافات منهجية حديثة حتى نتوغل في هذا الموضوع الشائك. إذ يمكن أن نجد ما يكفي من الأفكار حول هذه المسألة في أحد كتب أبو نصر الفارابي (توفي 339 هجرية / 950 ميلادية) أعتقد أنها مازالت ذات جدوى حتى اليوم.

وقد كتب الفارابي كتابه "آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها" كواحد من تعليقاته المتواصلة على المقاربات النيو أفلاطونية التي إعترضته عبر احتكاكه مع ما تبقى من مدرسة الاسكندرية في الفلسفة اليونانية. وطرح الفارابي رؤيته بناءا على مبدأ جوهراني لمرحلة ما قبل المجتمع الديمقراطي (أو "الحديث") حيث "العدوان" مبدأ يتفوق على بقية "الخصائص الطبيعية" للشخصية البشرية ومن ثمة تصبح آليات إقامة التوازن بين المعتدي والمعتدى عليه هي الصيغ الوحيدة الممكنة للتعايش الاجتماعي. وضمن هذا التصور، الذي أعيد إحياءه في المنظومة الخلدونية فيما بعد (أنظر في هذا الصدد: Moncef M’halla, Lire la Muqaddima d’Ibn Khaldun. Deux concepts-clés de la théorie Khaldunienne ‘asabiya et taghallub (force et domination). Tunis : Centre de Publication Universitaire, 2007, pp. 16-22.)، تمت مناقشة "مضادات المدينة الفاضلة" المتركزة في مفهوم جامع هو "المدينة الجاهلة". سأتوقف هنا تحديدا عند أحد وجوه الأخيرة وهي "مدينة التغلب" (و "المدينة الفاسقة" و"المدينة الضالة"من الوجوه الأخرى لـ "المدينة الجاهلة"). هنا تبدو كلمات الفارابي خارقة للعصور ومكتنزة لمعنى شديد الثبات وهو التعاون بين القاهر والمقهور لإعادة تشكيل معاني "العدل" و"الطبيعة" و"السعادة". في هذا الاتجاه تبدو الفقرة التالية شديدة البلاغة للتأكيد على المعاني المفارقة التي تسود "المدينة الجاهلة":

"فالأقهر منها لما سواه يكون أتم وجودا. والغالب أبدا إما أن يبطل بعضه بعضا، لأنه في طباعه أن وجود ذلك الشيء نقص ومضرة في وجوده هو، وإما أن يستخدم بعضا ويستعبده، لأنه يرى في ذلك الشيء أن وجوده لأجله هو... وأن الإنسان الأقهر لكل ما يناويه هو الأسعد... وأنه لا ينبغي أن يكون موازره مساويا له، بل مقهورا؛ مثل أن يكون أقواهم بدنا وسلاحا يقهر واحدا، حتى صار ذلك مقهورا له قهر به واحدا آخر أو نفرا، ثم يقهر بأولئك آخرين، حتى يجمع له موازرين على الترتيب. فإذا اجتمعوا له صيرهم آلات يستعملهم فيما فيه هواه... فاستعباد القاهر للمقهور هو أيضا من العدل. وأن يفعل المقهور ما هو الأنفع للقاهر هو أيضا عدل. فهذه كلها هو العدل الطبيعي، وهي الفضيلة" (إنتهى كلام الفارابي).

المعادلة الفارابية للقهر والاستعداد للقهر السياسي التي تحكم المجتمعات ما قبل الديمقراطية ليست مجرد تهويمات فلسفية. وتبدو القراءة التاريخانية لصناعة الديمقراطية المدخل المنهجي الذي يمكن أن يضع قراءة الفارابي ضمن أطر واقعية. وهو ما يطرح تساؤلات حقيقية حول منظومة الحركيين الديمقراطيين التي تركب مفاهيمها على مركزية الصراع بين القاهر والمقهور. والحال أن هذا الصراع لا يمكن له أن يتجسد ويحقق تحولات سياسية فعلية من دون توفر ما يكفي من الآمال الواقعية التي تجعل صراعا مماثلا مثمرا بحق. وهنا تبدو المقولة الأكثر مدعاة للاستحضار أن الشعوب لا تطرح سوى المسائل التي تقدر على حلها.

صناعة الديمقراطية: قراءة تاريخانية

ربما يبدو من المفاجئ أن نعتبر أن المجتمعات ما قبل الديمقراطية محظوظة في نهاية الأمر. لكن ذلك أمر مفهوم إذا ما لاحظنا أنها ستحضى بفرصة مراجعة تجارب البناء الديمقراطي حتى لا تضيع الكثير من الوقت في ممارسات سوريالية. غير أن ذلك ليس أمرا مضمونا خاصة إذا كانت مجموعات الحركيين والناشطين من أجل الديمقراطية غير عابئين بالتفكير في التجارب التاريخية لتشكل الديمقراطية بقدر ماهم مهتمين بإصدار البيانات وقراءتها من على المنابر الفضائية. من حسن الحظ هناك الكثير من الدراسات الأكاديمية التي اعتنت بشكل معمق بتقييم تاريخ تشكل الديمقراطية في مختلف الظرفيات الجغرافية والسياسية.

من بين المسائل الأكثر إثارة للإهتمام صعوبة التمييز أحيانا في نظام سياسي محدد بين طابعه الإستبدادي وطابعه الأبوي الإجتماعي الذي يعني في نهاية التحليل حدا أدنى من الديمقراطية (الاجتماعية). تبدو مثل هذه الظواهر التاريخية تحديا حقيقيا للتصورات الثنائية الحدية من نوع "إما أبيض وإما أسود". وتبرز في هذا الإطار خلاصات مجموعة من الدراسات قام بها عدد من أساتذة التاريخ المعاصر والعلوم السياسية في الولايات المتحدة وصدرت تحت عنوان "البناء الإجتماعي للديمقراطية بين سنتي 1870 و1990" (George Reid Andrews and Herrick Chapman (ed.), The Social Construction of Democracy, 1870-1990. New York: New York University Press, 1995, pp. 1-28.). ومن بين الأمثلة التي تسترعي الإنتباه النموذج المكسيكي حيث قامت دولة الحزب الواحد بإقحام النقابة العمالية الرئيسية بين الحربين في تسيير شؤون الدولة أو في أقل الأحوال تركها تلعب دورا سياسيا تعديليا ملاصقا لدور "الحزب المؤسسي الثوري" الذي واصل حكم البلاد لما يفوق السبعين عاما. وهكذا بعكس أمثلة أخرى في أمريكا اللاتينية، مثل الشيلي أو الأرجنتين حيث سادت في فترات متقطعة دكتاتوريات عسكرية مكشوفة، كان الوضع في المكسيك شديد الضبابية وهو ما عرقل تطور حياة سياسية حقيقية بعيدا عن الحزب الحاكم والنقابات العمالية ومن ثمة كان الإنتقال نحو الديمقراطية الحديثة بطيئا ومعقدا. إذ إستلزم الامر في النهاية إنقسام الحزب الحاكم على نفسه لكي تبرز قوى سياسية أخرى كانت دوما على الهامش الإجتماعي لينتهي إحتكار الحزب الواحد للسلطة في الانتخابات الرئاسية لسنة 2000. وإذا راجعنا كلام الفارابي المشار إليه أعلاه في هذا الإطار فإن "إجتماع القاهر والمقهور" يصبح على أسس من بينها ضمان حد أدنى من الرعاية الإجتماعية وهو ما يسمح بتوافق الطرفين على استدامة القهر السياسي وبعض جوانب القهر الاجتماعي. ولهذا تحديدا فإنه بتآكل هذه الرعاية والإنحسار السريع للطبقة الوسطى المكسيكية التي كانت تقف عادة الى جانب النقابات العمالية، وهي الأمور التي حصلت بين ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، أصبح التوافق المسوغ لحالة القهر وبالتالي قاعدة النظام السياسي المكسيكي مستحيلين. وهكذا من البديهي أنه بالرغم من نضالات الحركيين الديمقراطيين المكسيكيين طوال سبعين عاما كان من الضروري في النهاية توفر مثل هذه الظروف الموضوعية لكي يتحقق مسار الدمقرطة السياسية.

ولا تبدو التجربة المكسيكية الوحيدة التي تشير إلى هذا الأساس الإقتصادي-الإجتماعي لنظام القهر السياسي. إذ هناك تجارب أكثر نجاحا وأكثر إستدامة تؤكد بدورها ظاهرة أخرى وهي أن نجاح الليبرالية الإقتصادية لا يجلب معه بشكل آلي الليبرالية السياسية. وقد تم التعرض بالتفصيل لمسألة الشرط الإقتصادي-الإجتماعي لتشكل الديمقراطية في مؤلف آخر حضي بأهمية بالغة عند صدوره العام الفائت، إذ يواصل التدقيق في الإشكاليات التي طرحتها الدراسة المشار إليها أعلاه، وهو بعنوان "الجذور الاقتصادية للدكتاتورية والديمقراطية" (Daron Acemoglu and James A. Robinson, Economic Origins of Dictatorship and Democracy. Cambridge University Press, 2006.). وهنا يقدم المؤلفان، آجم أوغلو وروبينسون، أربع نماذج في التاريخ السياسي المعاصر في محاول لحصر جذور الدكتاتورية والديمقراطية. النموذج الأول البريطاني ويمثل الانتقال من حالة غير ديمقراطية إلى أخرى ديمقراطية بشكل بطيئ ولكن مؤكد. النموذج الثاني الأرجنتيني ويمثل الانتقال إلى الديمقراطية ولكن في مسار شديد التعثر شهد حالات من الارتداد نحو حكومات عسكرية إستبدادية. النموذج الثالث السنغفوري حيث لم يحصل إنتقال نحو الديمقراطية. أخيرا النموذج الرابع هو الجنوب الإفريقي أين الانتقال نحو الديمقراطية شهد مقاومة شديدة وتأجيلا مطولا. ساقتصر هنا على النماذج الثلاثة الأولى بفعل أن النموذج الأخير غير متكرر بكثرة.

في حالة النموذج الأول كان الإنتقال الى الديمقراطية بطيئا جدا ومشروطا بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية وبتأثير الضغط المتواصل لإنتفاضات إجتماعية. فثورة 1688 والتي أدت لفرض "الدور البرلماني" في بريطانيا لم تحسم أي شيئ حتى على المستوى القانوني النظري في علاقة بدور "المشاركة الشعبية" وكان ذلك متناسبا مع استمرار الدور الاجتماعي القوي لطبقة اللوردات. وكان على بريطانيا أن تنتظر مرحلة التصنيع السريع والنمو الكبير للطبقة العاملة والنقابات حتى تقر إصلاحات سنة 1833 والتي سمحت بحق الإقتراع لـ 14% من السكان الذكور وذلك في إطار تجنب أي انتفاضات إجتماعية خاصة مع حدوث الكثير من القلاقل منذ سنة 1830. غير أن ذلك لم يكن سوى بداية طريق طويلة من الاصلاحات الجزئية في جو من الفساد السياسي والتزوير وهو ما أدى إلى إصلاحات مستمرة تحت التهديد المتواصل لانتفاضات شعبية خاصة بين سنتي 1860 و1867. ثم تصل هذه الاصلاحات، أخيرا، سنة 1918 بفعل دور الطبقات الفقيرة في الحرب العالمية الأولى وخوفا من التأثير المتعاظم للثورة البلشفية للإقرار القانوني بحق التصويت لجميع الذكور (تم إلحاق الإناث ضمن هذا الحق سنة 1928). حينها فقط أصبح للطبقات الفقيرة ممثل سياسي، "حزب العمال"، والذي اختار المشاركة في النظام السياسي عوض الانخراط في النهج الثوري الذي طرحته الحركة الشيوعية العالمية. وكان ذلك شرطا رئيسيا سمح بتحقيق التداول على السلطة وخلق أجواء ديمقراطية ومستقرة في نفس الوقت.

في حالة النموذج الثاني (الأرجنتيني) فإن إقرار حق التصويت للجميع في دستور سنة 1853 لم يؤدي إلى خلق أجواء ديمقراطية حقيقية حيث حكم حزب واحد يمثل القوى الاجتماعية المحافظة، "الحزب الذاتي الوطني"، بفضل عمليات انتخابية مزورة وروتينية وبمشاركة ضئيلة منذ ذلك الوقت حتى سنة 1910. وقد صمد النظام السياسي الأرجنتيني القهري بالرغم من القلاقل الاجتماعية، الناتجة عن مأزق النظام الاقتصادي القائم على التصدير الفلاحي، ووهو ما أدى الى اندلاع ثورة مسلحة بقيادة "الاتحاد المدني الراديكالي" سنة 1890. واستمر هذا الصدام العنيف بشكل متقطع بين الطرفين حتى سنة 1905. غير أن هذا الضغط الداخلي، والتأثير الكبير للاصلاحات السياسية في أوروبا التي كانت النموذج الذي يجذب دائما انتباه النخبة الاجتماعية والسياسية الأرجنتينية، أدت الى تفعيل البنود الديمقراطية في دستور سنة 1853 وانطلاق عمليات انتخابية أكثر مصداقية نتج عنها أول انتخابات ديمقراطية سنة 1910 ثم صعود "الراديكاليين" للسلطة سنة 1916. ولكن بفعل عدم حدوث تغيرات اجتماعية هامة واستمرار نفوذ كبار ملاكي الأراضي الأرجنتيين فقد رأت القوى المحافظة في العملية الديمقراطية تهديدا لها. وبفعل سيطرة هذه القوى تاريخيا على المؤسسة العسكرية قامت بأول أنقلاب عسكري على الشرعية الديمقراطية في تاريخ الأرجنتين سنة 1930 وانتخابات مزورة سنة 1931 ثم بعد محاولة فاشلة لضم "الراديكاليين" في الحكم سنة 1940 قامت المحافظون بانقلاب ثاني سنة 1943. ومنذ هذه اللحظة أصبحت المؤسسة العسكرية نفسها تعيش انقساما وهو ما تجسد في صعود زعيم شعبوي من داخلها، خوان دومينقو بيرون، والذي سيهيمن على الصراع السياسي وعلى المشهد الانتخابي والانقلابات المتكررة. إن عدم الاستقرار السياسي الأرجنتيني يبدو ناتجا عن ضعف الطبقات الاجتماعية المهيمنة إقتصاديا مقابل عدم قدرة الطبقات الفقيرة على التوفر على قيادات غير شعبوية، وهو ما أدى باستمرار لتأرجح العملية الديمقراطية. كل ذلك بدى من الماضي عندما نحجت الإصلاحات الليبرالية القاسية التي تم اعتمادها منذ سنوات السبعين من القرن الماضي في الخروج من هيمنة طبقة ملاك الأراضي وصعود طبقات مدينية وصناعية جديدة سمحت بإقامة توازن اجتماعي وبالإقرار التدريجي للتداول السلمي على السلطة.

النموذج الثالث (السنغفوري) بعد فترة طويلة من الاحتلال البريطاني بوصفها منطقة تجارية حرة طالما خضعت لاحتكار "شركة الهند الشرقية" البريطانية فقد فرض السكان المحليون (غالبيتهم صينيون) سنة 1959 "الحكم الذاتي" وحقهم في انتخاب "برلمان محلي" لا يخضع للسلطة القهرية للحاكم البريطاني. وقام الحزب الذي أمسك بالسلطة، "حزب العمل الشعبي"، بعملية تصنيع واسعة خرجت بسنغفورة من وضعية الوسيط التجاري التي سبق أن فرضها الاحتلال البريطاني. في المقابل قام الحزب الحاكم بمحاصرة النقابات والتي أخضعها تماما لسيطرة الحكومة بحلول سنة 1968 حينما قام بالتجريم القانوني للاضرابات. في نفس الوقت قام بقمع المعارضة السياسية التي أسسها منشقون عنه بعد انتخابات سنة 1963 والتي انتصر فيها. في خضم ذلك تم الاستقلال النهائي عن بريطانيا سنة 1965. ومنذ ذلك الوقت واصل الحزب الحاكم سيطرته على السلطة بالرغم من تعدد الانتخابات خاصة في ظل القمع والمحاصرة المستمرة لمعارضيه (التي تصل حتى المنع من العمل وحق إقامة مشاريع خاصة والاعتقال بدون محاكمة) حيث لم تفز الأطراف المعارضة إلا نادرا ببضع مقاعد من البرلمان وهو ما أدى لإدخال إصلاح سياسي سنة 2001 يتم بمقتضاه منح مقاعد لبعض المعارضين المقربين من الحزب الحاكم. كانت هذه الهيمنة القهرية الناعمة، والتي لم تصطدم بأية إحتجاجات قوية، ممكنة بفعل ظروف موضوعية محددة. من بينها أن الحزب الحاكم الذي استوعب منذ البداية أفضل الكفاءات الدارسة في بريطانيا نجح في تحقيق نمو اقتصادي قوي ورفع مستوى المعيشة والرعاية الاجتماعية للسكان. كل ذلك، مع الضغط والتحرش المتواصلين بأي طرف معارض، يفسر وضوح حكام سنغفورة، والذين يتداولون السلطة الآن عبر الوراثة، في عدم الاعتذار عن واقع الديمقراطية الصورية وحتى الاعلان على أن "الحزب هو الحكومة والحكومة هي الحزب" (تصريح سنة 1990 لحاكم سنغفورة منذ استقلالها لي كوان يو، وقد خلفه أحد المقربين منه سنة 1990 قبل أن يمسك ابنه بمقاليد السلطة سنة 2004).

في جميع هذه النماذج يمكن أن نلاحظ أمورا أساسية:

أولا، إقرار حق التصويت للجميع لم يكن أمرا بديهيا في أي تجربة ديمقراطية. كان ذلك ممكنا فقط في إطار تنازلات من قبل الأطراف المهيمنة خوفا من إنهيار النظام السياسي برمته.

ثانيا، إقرار حق التصويت بشكل فوقي وخارج الضغط لا يضمن ممارسته بشكل فعلي. فغياب قوى اجتماعية تمارس الضغط من أجل انتزاع حقوقها الأساسية يجعل حقوقها الدستورية من دون معنى.

ثالثا، الضغط من أجل انتزاع الحقوق السياسية كان شديد الارتباط بانتزاع الحقوق الاجتماعية والاقتصادية. كما أن تحقيق نظام ديمقراطي مستديم غير ممكن من دون تحقيق نظام اقتصادي واجتماعي مستقر ويوفر رفاهية متزايدة لأعضائه.

رابعا، توفير رفاهية اقتصادية ومن ثمة اكتفاء غالبية سكانية بما هو موجود مع امتناع الأطراف المهيمنة عن التنازل عن السلطة كلها عوامل لا تجعل الإنتقال نحو الديمقراطية أفقا تاريخيا بديهيا. ومن ثمة يكون "اجتماع القاهر والمقهور" ظرفية طبيعية تنتزع حق البقاء.

إن كل ذلك يدفعنا دفعا نحو أكثر الأسئلة إيلاما: هل يتوقف إمكان نجاح الدمقرطة على ظروف موضوعية (تحولات إقتصادية، اجتماعية...) أم على تراكم ممارسة الإرادة السياسية الواعية للناشطين الديمقراطيين؟ طرح هذا السؤال بمنهج إمبيريقي غير مسبوق الباحث الفنلندي تاتو فانهانن في أحد أكثر المؤلفات تأثيرا في الساحة الأكاديمية في علاقة بهذه المسألة "استراتيجيات الدمقرطة" (Tatu Vanhanen (ed.), Strategies of Democratization. Washington: Crane Russak, 1992, pp. 1-35.). إذ وضع فانهانن مؤشرا قياسيا على أساس التجارب التاريخية للانتقال الديمقراطي وهو ما أوضح أن دور التحولات البنيوية (خاصة الاقتصادية والاجتماعية) تحوز على تأثير يفوق نسبة 70% في مسارات الدمقرطة في حين لا يمثل تأثير نشاط الديمقراطيين الحركيين 30%. وهنا يمكن أن نضيف مصادرة أكثر وضوحا: أن ديمقراطيين حركيين لا يلقون التجاوب من مجتمعاتهم لا يستطيعون تحقيق الديمقراطية.

استنتاجات أولية حول الوضع العربي

أضحى الامتناع عن الدمقرطة في الوضع العربي مسألة جدال كوني بفعل الظروف السياسية الراهنة. حيث كان الوضع في العراق بعد الاحتلال العسكري ومشروع "إقامة الديمقراطية" فيه مصدر نقاش واسع حول "مدى الاستعداد العربي أو الإسلامي لتقبل الديمقراطية" و"الاستثناء العربي أو الإسلامي" في مسار الدمقرطة، بالرغم من السياسوية الواضحة التي طغت على بعض أطراف ذلك الجدال (أنظر على سبيل المثال مقالات العدد الرابع لسنة 2004 من "مجلة الديمقراطية" Journal of Democracy). كما أنه حتى في التجارب التي عرفت هامشا من التنافس الجدي على بعض المواقع التشريعية في بعض الأقطار، ومن ثمة تهديدا للأحادية المطلقة المعتادة للطبقات الحاكمة، تميزت بضعف قناعة المنتخبين بجدوى العملية الديمقراطية وهو ما سهل حدوث مهازل جدية في علاقة بما أثير من قبل مصادر مستقلة حول "شراء ذمم المصوتين"، الأمر الذي حدث في السنين الأخيرة تحديدا في الانتخابات البرلمانية في مصر والمغرب.

ولا يخضع الوضع العربي بالضرورة لنفس موانع أو دوافع الدمقرطة في التجارب أعلاه ولكن تنطبق عليه بعض مواصفاتها. وهكذا مثلا تبدو الضوابط الاقتصادية والاجتماعية مصدر أحد العوائق الرئيسية أمام الدمقرطة في الوضع العربي. ويكمن مصدر الجمود الأساسي في هذا الصدد في الضعف البالغ للقوى الاجتماعية والاقتصادية المستقلة عن السلطة السياسية وهو ما يبدو نتاجا لسيرورة تاريخية رسخت اشتراط مسار تركيم الثروة بعملية امتلاك السلطة. ينطبق هذا الضعف على الطبقات الفقيرة والغنية على السواء. ففي حالة الفئات الأولى بقيت هذه الطبقات حتى في حالاتها الأكثر حيوية، من جهة نشاطها النقابي، متعلقة بمجالات اقتصادية حكومية. وإذا استثنينا الحالات التي تفتقد حركات نقابية سواء شكلية أو جدية، فإن الأقطار التي شهدت وجود منظمات نقابية قوية لم تفلح في إيجاد تعبير سياسي ناجح عنها. وفي وضع مماثل لما حدث في المكسيك بقيت هذه المؤسسات المطلبية جزءا من مجال السلطة السياسية حتى في الحالات التي سمحت بوصول أطراف معارضة لمراكزها القيادية. من جهة أخرى كانت النشأة البطيئة والصعبة للطبقة البورجوازية المحلية وارتباطها شبه الدائم بمراكز السلطة السياسية أهم العوائق أمام انحلال السلط القائمة. غير أن هذه الضوابط الاقتصادية والاجتماعية لا تبدو وحدها وراء امتناع الدمقرطة في الوضع العربي. بل أن وجود بعض الحوافز الاقتصادية والاجتماعية يدعو لتساؤل جدي حول مدى تلاؤم الوضع العربي مع التفسير المرتبط بشكل مطلق بالعوامل الاقتصادية والاجتماعية. فبالرغم من الارتباط بين السلطة والثروة إلا أن هناك قسما كبيرا، خاصة في سنوات الطفرة شبه الليبرالية الأخيرة، من طبقات المستغنين الذين لم يمروا حتما بالسلطة حتى يتوفروا على الثروة. فهؤلاء اتبعوا ذهنيا سلوكا يعكس قناعة بأن ديمومة ثروتهم مرتبطة حتما بالولاء للسلطة. وهكذا فإن نمو طبقة من الأثرياء غير السياسيين لا يعني ضرورة توجههم نحو الاستقلالية السياسية عن السلطة القائمة. والأمر الأهم أنه توجد أسباب سياسية "ما فوق قطرية" تطرح في مركز الاهتمام الشعبي قضايا لا تشمل ضرورة مسألة الانتقال الديمقراطي. وتتموقع القضايا ذات الأبعاد القومية والإسلامية مثل الصراع العربي الإسرائيلي واحتلال العراق في صدارة الاهتمام الشعبي وفي أحيان كثيرة بشكل يتجاوز الاهتمام بمشاغل الحريات السياسية عدى موضوع الدمقرطة بشكل عام. يطرح ذلك بشكل جدي إمكانية أي تقدم نحو الدمقرطة بمعزل عن حل هذه الصراعات وهو الأمر الذي تعيه بشكل بالغ الأطراف المستفيدة من استمرار الوضع الراهن والتي كانت رفعت يافطة "أولية حل الصراع العربي الإسرائيلي" عند اشتداد الضغط عليها على مستوى ملف الدمقرطة بين سنتي 2003 و2004. في حين من المثير للقلق التضاد الذي يمكن أن يتم اختلاقه بين "الحريات القومية" و"الحريات الديمقراطية".

أخيرا، من البين أن الإطمئنان لقراءة تاريخية تعتقد "حتمية الديمقراطية" يصطدم بشكل جلي مع أي قراءة تاريخانية لمسارات الدمقرطة والتي تشير الى واقع أكثر تعقيدا مما يمكن أن تسمح به بعض الشعارات السياسوية مثل "تلازم الليبرالية الاقتصادية بتلك السياسية". غير أن "إمكانية" الديمقراطية تبقى مشروطة بظروف موضوعية حتمية. وفي جميع الحالات فإن "النضال من أجل حرية التعبير" يجب أن يمر أولا عبر التفكير فيها وخاصة في إمكانات تحققها. ينطبق ذلك خاصة على الموضوع الأشمل أي الديمقراطية. وعموما، وللمفارقة، يبدو أن من أهم مظاهر "حرية التعبير" التي يجب الدفاع عنها هي "حرية التفكير في الديمقراطية" بعيدا عن الضوابط السياسوية للحركيين الديمقراطيين. من دون ذلك لن يزدهر سوى الديمقراطيون الطوباويون.

طارق الكحلاوي

كاتب تونسي، جامعة بنسلفانيا (الولايات المتحدة)

 

قطر تراهن على سياسة العقود السخية لفك عزلتها

قمة ثلاثية بالقاهرة لبحث مواجهة القرار الأميركي بشأن القدس

جهود مصرية حثيثة لتحريك العملية السياسية في ليبيا

الايزيديون عالقون بين الحسابات السياسية لبغداد واربيل

اشادة سعودية بنصر كبير على الإرهاب في العراق

لندن تساوم بروكسل: تسديد فاتورة الانفصال مقابل اتفاق تجاري

العراق ينتصر على الدولة الاسلامية مع وقف النفاذ

حسم معركة الدولة الإسلامية لا يعني نهاية خطر الارهاب بالعراق

توسيع التنسيق الايطالي الليبي لمكافحة تهريب المهاجرين

الحريري يبعد لبنان عن أي دور مشبوه لميليشيات الحشد الشعبي

العبادي يعلن تحرير العراق بالكامل من الدولة الإسلامية

العراق يخرج من الفصل السابع للأمم المتحدة

الفساد حين يصنع العملية السياسية في العراق


 
>>