في عام 2000 امتنع كولن باول وزير الخارجية الأميركي عن خوض انتخابات الرئاسة، وكان الدافع وراء ذلك هو خشيته من الاغتيال إذا ما أصبح أول رئيس اسود للولايات المتحدة.
هذا ما قاله الدكتور جيفري ليتش، مدير مركز الدراسات الأميركية، في الجامعة الأميركية بالقاهرة، خلال ندوة حول "الثلاثاء الكبير"، عقدتها سفارة الولايات المتحدة بمصر، يوم 6 فبراير الجاري.
وعلى الرغم من أن هذه الندوة حفلت بالكثير من الأفكار والتعليقات الهامة جدا، قدمتها نخبة مميزة من المحاضرين، وهم مايكل سلاك مان، مدير مكتب جريدة نيويورك تايمز بمنطقة الشرق الأوسط، والدكتور عبد المنعم المشاط مدير مركز الدراسات الأميركية بجامعة القاهرة، وأدارها ستيوارت جونز، القائم بأعمال السفارة، إلا أن ما قاله ليتش في ختام الندوة، لفت النظر إلى نقطة بالغة الأهمية.
فالآن، وبعد 8 سنوات من تخوف باول، نرى باراك اوباما، ذا الأصول الأفريقية، والمولود لأب كيني، يخوض المغامرة ويتقدم بصورة مذهلة دون الخوف من الاغتيال بسبب لون بشرته السمراء.
هذا التقدم، إضافة إلى ما حققته سيدة، وهي هيلاري كلينتون، خلال تنافسهما معا على ترشيح الحزب الديمقراطي، يمثل تطورا جديدا وحيويا في بنية الديمقراطية الأميركية، حيث أضحى من المقبول على نطاق واسع، لدى مواطني الولايات المتحدة، أن يعتلي مقعد البيت الأبيض، رجل اسود، أو سيدة، لأول مرة.
ولا يمكن أن نتصور أن حزبا سياسيا عريقا مثل الحزب الديمقراطي، يغامر سياسيا ويراهن على جوادين كلاهما خاسر، خاصة في سباق الدخول إلى البيت الأبيض، الذي يشهد منافسة قوية من قبل الجمهوريين. ولابد أن الحزب لاحظ تحولا في وجه نظر الناخب الأميركي بعد أن خرج منافسوهم، جون ايدوارد، جوزيف بيدين، كريس دود، مايك جرافل، دينس كويسنتش، بل ريتشاردسون، خارج الحلبة.
إذا قبول رجل من أصول افريقية كمرشح لرئاسة أميركا، يؤكد أن فرصا جديدة قد لاحت في الأفق لتمثيل الأصول العرقية المختلفة، والتي يبلغ عددها نحو 33 أصلا عرقيا، في مجتمع سيطر على تاريخه، البيض الذين يشكلون قرابة 75% من السكان، فيما يمثل السود 12% فقط.
ومن جانب آخر، شكل اوباما خصما قويا لهيلاري كلينتون، سيدة أميركا الأولى السابقة، والتي كان يتوقع الكثيرون أنها ستكون المرشحة الأوفر حظا لتمثيل الحزب الديمقراطي، والتي يتمتع زوجها الرئيس الأسبق بيل كلينتون بشعبية كبيرة، وظفها لخدمة حملتها الانتخابية دون أي شح.
من جانب ثالث، تجاوز الشعب الأميركي ما حاولت بعض الحملات الإعلامية، وحملات البريد الالكتروني ترويجه، من أن اوباما "مسلم كامن"، وبالطبع فان الإسلام ليس تهمة، ولكن المغزى الذي أرادت تلك الحملات أبرازه هو أن باراك حسين اوباما، الذي اعتنق جده الإسلام، وكذلك زوج أمه، والذي أقام في اندونيسيا 4 سنوات في صباه، يمثل خطرا على أسلوب الحياة الأميركية.
ومن دون شك فان مروجي هذه الحملة استغلوا الرعب الإضافي الذي بثته هجمات 11 سبتمبر 2001 في قلوب الأميركيين من المسلمين والإسلام، لكنهم فشلوا، وواصلت الديمقراطية تطورها بشكل طبيعي، ونتمنى لها أن تستمر دون تدخل حزبي لإجهاضها لصالح احد المرشحين.
ياسر خليل
باحث وصحافي مصري