First Published: 2008-09-19

عندما تحدث يهود ليبيا

 

أحمد مصطفى الرحال يفتح بكتابه عن يهود ليبيا نافذة في ذاكرة المجتمع لا تزال تفاصيلها حية في اذهان الكثيرين.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: رامز رمضان النويصري

تاريخ ام حوار؟

-1-

الكثير من المباحث والموضوعات المهمة في التاريخ الليبي لازالت تحتاج الكثير من البحث والتقصي، لغاية البحث والكشف العلمي، وتنقيتها مما علق بها، كون هذه الأمور يتم تواترها شفهياً، بالتالي فهي تخضع لثقافة الناقل وذائقته، مما يعني هذا من إضافة ودس وإقصاء.

ومسألة يهود ليبيا من هذه المفاصل والنقاط المهمة في التاريخ الليبي، خاصة حال بحثنا عن مرجع يمكنه تقديم صورة عن واقع هذا المجتمع الذي كان، وكيف عاش ضمن النسيج الليبي وارتبط به وتعايشه مع اللحظات المهمة في التاريخ الليبي. فالمراجع المتاحة قليلة وعادة مكتوبة من جانب واحد (أو على الأقل هذا ما وجدته).

ومسألة اليهود الليبيين، مسألة معقدة كونها تعرضت للكثير من التشويش والخدش، حتى ضاعت الحقيقة وتاهت. فكل ما عرفته عن اليهود (وربما جيلنا كله) أن اليهود شعب غير ودود يكره العرب، وأن اليهودي بخيل يحب جمع المال ولا يتوانى عن فعل أي شيء من أجل اكتناز المزيد. في المقابل فإن ذاكرة الكبار تحفظ الكثير من قصص عيش اليهودي الليبي بجانب المسلم الليبي، وكيف كانا يتعاونان على الدهر ومشقة الحية جنبا إلى جنب، وأنهم –أي اليهود- أوجدوا الكثير من الأشياء في المجتمع الليبي أهمها –في رأيي- المطبخ الليبي، الذي يدين بالفضل لليهود في تنوعه، خاصة ما يتعلق بأكلات السمك، وأشهرها "الحرايمي"، وأيضاً الملابس، خاصة ما يخص لباس المرأة، والحلي وصياغة الذهب والفضة.

أتوقف عند هذا الحد للدخول إلى الموضوع الأساسي لكتابتي هذه الأسطر وهو كتاب يتحدث حول ذات الموضوع، الكتاب صدر تحت عنوان "سألتهم فتحدثوا" وبعنوان فرعي/تصنيفي "دراسة حول يهود ليبيا". وإن كان الكتاب وصلني بحكم علاقتي بصاحبه أحمد مصطفى الرحال، إلا أن جملة "شارك في الإعداد: رفائيل لوزان" جعلتني أتأمل أكثر صورة الغلاف الذي تجمع بين "أحمد ورفائيل" في خريطة ليبيا على خلفية لأحد الواحات. لقد راقني أن يكون الكتاب جهداً مشتركاً، أو تنسيقاً يمنح القارئ إحساساً بحيادية الكتاب وإخلاصه للهدف الذي كان لأجله. ولا أعرف لماذا ظللت أنظر لهذه الصورة لفترة طويلة محاولاً أن أحدد أي من أشكال الاختلاف بينهما لكني وجدتني مشتركا معهما. ولنبدأ الدخول للكتاب.

-2-

يعتمد الكتاب في مادته على مجموعة من الحوارات، أو كما عنونها الكاتب "هكذا تحدثوا"، وقدم لهذه الحوارات بتعليق حاول من خلاله تعليل عنوان الكتاب. مقدمة الكتاب كانت للكاتب محمد طرنيش الذي نقلنا إلى طرابلس عام 1967، في صورة عن الوضع الذي عاشه المجتمع الليبي إبان العدوان على مصر، وتفاعله المباشر مع الحدث، لينعكس الغضب أعمال عنف وتخريب ضد اليهود الليبيين، يقول: "كانت الصورة مؤلمة، فقد كانت الحرائق تلتهم كل شيء، المحال التجارية، المخازن، الصيدليات، المصانع، الورش، المخابز، فكل ما كان مملوكاً لليهود كان للحرق والتدمير، فتحولت مدينة طرابلس إلى فرن كبير"(1). كما ويركز الأستاذ طرنيش في هذه المقدمة على مجموعة من النقاط: الحياة الاجتماعية المشتركة والتسامح الديني، وأثرهم في المجتمع الليبي، علاقة اليهود بالغزو الإيطالي، وهو يختم هذا الملاحظات بقوله "ما فات مات، وما مضى انتهى وانقضى، وها نحن اليوم في عالم جديد. هل يمكن لنا أن نتعايش مستقبلاً؟ هل يمكن لأفراد من الليبيين اليهود أن يعودوا إلى بلادهم ويعيشوا فيه مرة أخرى؟ لا شك في أن الأجوبة تحتاج منا إلى بذل المزيد من فتح آفاق التعاون والتحاور والتشاور في سياق منظومة القيم التي نؤمن بها ويفرضها علينا ديننا الحنيف. فهل حان الوقت لفتح المجال أمام جميع أبناء الوطن دون تحديد لديانة أو جنس أو عرق؟"(2)

بعد هذه المقدمة، يعرض لنا الكاتب توضيحاً لدوافع إخراج هذا الكتاب، التي أرجعها إلى الدين كباعث رئيسي، ورغبة البحث والسعي وراء المعرفة كمعين على هذا الجهد: "فانطلقت بروح المسلم المتدين الباحث عن الحقيقة والخبر، وعدت أطرق باب بيت "رفائيل" ليكون عوناً لي على إنجاز بحثي هذا،..."(3). ويرفد هذا التوضيح بعنوان "من القرآن الكريم" يقدم من خلاله ما كفله الإسلام من حرية العقائد والتعدد، أو كما يورد الكاتب "دعم مسألة التكامل بين الأديان السماوية"، مستشهداً بمجموعة من آيات القرآن الكريم وشروحها، متبعها بتعليقه الشخصي حول فكرة التصالح والتعايش بين الديانات المختلفة. ويؤكد الكاتب أن فكرة "الصهيونية" هي الشرارة التي أشعلت العداء بين العرب واليهود، وتطور هذا الصراع.

وبالنسبة ليهود ليبيا، فإن الكاتب حاول تلخيص أهم النقاط في "مجمل ما وقع من أحداث: 1945-1967"، والتي وقف فيها الكاتب على أهم اللحظات التاريخية لآخر أيام اليهود في ليبيا بداية من العام 1945، أحداث الحارة الكبيرة والصغيرة، حتى الهجرة النهائية في العام 1967.

في هذه الصفحات الـ25، والتي أفترض إنها فصلاً أولاً للكتاب، أراد الكاتب أن يقف بنا على الصورة العامة لمسألة اليهود الليبيين، بشهادة محايدة تمثلت في مقدمة الأستاذ محمد طرنيش، وغايته من تقديم هذا الكتاب، داعماً عرضه بمجموعة من نصوص القرآن الكريم التي تؤكد على حرية العقيدة وتقبل الآخر المختلف في العقيدة/الدين. لننتقل إلى متن الكتاب.

-3-

اعتمدت مادة الكتاب (أو متن الكتاب) على الحوار، خاصة وإن الحوار يعتمد على العلاقة بين طرفين من المفترض أن شرط التواطؤ المعرفي متحقق بينهما لمضي الحوار، وأيضاً على مقدار المادة المعرفية للمحَاوَر وقدرة المحاَوِر على الاستدراج وفتح المغاليق، وعلاقة الشد والرد بين الطرفين تجعل من الحوار نصاً حركياً (Dynamic text)، خاصة وإنه يتعلق بالحدث ذاته من خلال المحَاوَر. وأزعم إن أحمد الرحال عمد إلى هذه التقـنية للتخلص من جمود المادة التاريخية، إلى مرونة وأريحية الحوار، بالتالي يتعلق الحدث التاريخي –كون التاريخ هو صنو الحوارات- بشخص المحاوَر ومعايشته، وقدرته على نقل الحدث، الأمر الذي يضعنا أمام سؤال المصادقية، ومقدار تدخل شخص المحاوَر في نقله للحقيقة التاريخية، أو مقدار ما يسقطه من لحظته (الحاضر) على إعادة ترتيبه لمجريات الأحداث.

هذا النمط من الكتب يعتمد -في العادة- البحث ضمن حدود الموضوع المطروح أو النقاط المقترحة، لغاية اجتماع الحوارات حول الموضوع وتغذيته وإثرائه والحد من تشعبه، بما يعنيه من اتفاق واختلاف. مما يضع المتلقي في مواجهة الحدث أو الموضوع بشكل مباشر، ليمارس مهمة الحكم أو القاضي وهو يستمع إلى كل أطراف الحدث، ويتفاعل معها، ويتأثر بها، بالتالي يخلق هذا التواصل نوع من الإيلاف أو الإيناس بالحكم أو النتيجة التي يخرج بها المتلقي. والموضوعة الأساس، أو نقطة الحوار التي اختارها الرّحال لكتابه -وأعني "يهود ليبيا"- كفيلة بأن بإثارة الكثير من الشجون، بالتالي فالمتلقي لا يكتفي هنا بما تقدمه له المادة الحوارية (مادة الكتاب)، إنما يذهب أكثر فيما يتوافر لديه من معرفة، خاصة وأن هذا الجزء من التاريخ الحديث مسكوتٌ عنه، ولا تتوفر الكثير من المصادر التي تفتح للمتلقي أبواباً أكثر للفائدة والوقوف على الحكم، لأن المتوفر هو ما تتناقله الذائقة الشفهية، وما تحمله من كم التشويه والتشويش.

الرحال عرض موضوعة "يهود ليبيا" من خلال 8 حوارات، أو وجهات نظر تمثلها الشخوص التي أُجريت الحوارات معها، وأول ما خطر لذهني وأنا أقلب فهرس الكتاب، هو حجم عينات الحوار بالنسبة لموضوعه خاصة بالنسبة لليبيين لما يغلف هذا الموضوع من غموض. بدأ الكاتب هذه الحوارات مع الحاج "مخـتار الأسود"، وهو شخصية طرابلسية عرفت بحبها للفنون والثقافة، وهو حافظة لتاريخ طرابلس بشكلٍ خاص، من بعده ينتقل الحوار إلى مجموعة من الشخصيات اليهودية ممن عاشت في ليبيا، وكانت ضمن النسيج الاجتماعي المكون لسكان ليبيا، وهم: رفائيل لوزون، رفائيل فلاح، آلدو حبيب، عائلة الزروق، عائلة فرجون، رفائيل جناح. كما ويدخل هذه الحوارات السيد جانكارلو كونسولاندي وهو إيطالي من مواليد طرابلس (عام 1949) وعاش بها حتى سن الـ21، عندما خرج صحبة أهله ممن أجلتهم ليبيا في أكتوبر 1970، وكونسولاندي هو رئيس رابطة للتلاميذ السابقين الذين درسوا في مجموعة مدارس لاساللي في ليبيا (4)، وهو هنا شخصية محايدة يحكي عن تجربته في ليبيا والحياة الاجتماعية الذي جمعته بأقرانه من مسلمين ويهود وكيف كانت هذه الثقافات تتجاور ولا تتنافر.

-4-

وأسمح لنفسي هنا بالوقوف على مجموعة من الملاحظات التي خرجت بها من رحلتي في هذا الكتاب، وأدرجها في مجموعة نقاط حتى يكون الموضوع أكثر تركيزاً، وأبعد عن التشتت:

- أثارتني جملة العنوان الفرعية "دراسة حول يهود ليبيا"، كون الكتاب لا يقدم دراسة بقدر ما يقدم مجموعة من الحوارات، وهي لا تخضع للتحليل أو إعادة القراءة.

- قياساً بحجم الموضوع وما يمثله بالنسبة للحراك الثقافي والسياسي الليبي، فإن حجم العينة المختارة (وأعني عدد من تم حوارهم) لا يمثل العينة الكفيلة بتقديم صورة عامة للواقع، والوقوف على حقيقة الموقف الذي كان.

- في المقابل لم يحاول المحاور، استدراج الشخصيات المحاوَرة والبحث فيها أكثر، بل اكتفى بما قدمت، الأمر الذي جعل الحوارات تتشابه كثيراً دون أن تكون ثمة خصوصية لأي منها.

- يقدم الكتاب صورة عن الحياة الاجتماعية التي كان عليها المجتمع الليبي (المسلم واليهودي)، في التجاور الكبير بينهما والحوار الذي كان يجمعهما، وهذا ما قدمته جملة الحوارات، فالكثير منهم –ونعني اليهود- مازالوا يحتفظون بذكرياتهم عن حياتهم بليبيا، وتأكيدهم أن ليبيا وطنهم الذي ينتمون إليه، وإنهم يتمنون العودة إليه. هذا التواشج الاجتماعي/الحياتي يؤكده الطرف الأخر وهو هنا حديث الحاج مختار الأسود.

- حقيقة المؤامرة التي دربت من قبل الإنجليز أو الحكومة البريطانية وزرعها الفتنة، والتي كانت نتيجتها خروج اليهود من بلادهم ليبيا. فلقد اتفقت الحوارات حول حقيقة هذه المؤامرة التي انساق ورائها المواطن الليبي البسيط.

- خصوصية يهود ليبيا كمجتمع، وارتباطه بوطنه ليبيا، واجتماعه في "منظمة يهود ليبيا". والتي يترأسها السيد رفائل فلاح (5)، وهي تعنى بشؤون الجالية اليهودي الليبية، وهي تطالب بحق عودتها لليبيا.

الكتاب في مجمله يقدم صورة عامة للتجاور والتواشج الذي كان يعيشه المجتمع الليبي، والكاتب أحمد الرحال فتح من خلال هذا الكتابة نافذة في ذاكرة المجتمع، أتمنى أن يرفدها بالمزيد.

رامز رمضان النويصري

www.ramez-enwesri.com

___________________

هوامش:

1- أحمد مصطفى الرحال (سألتهم فتحدثوا-دراسة حول يهود ليبيا). المؤسسة العربية للدراسات والنشر-بيروت/2008. ص:11.

2- المصدر السابق. ص:13.

3- المصدر السابق. ص:16.

4- المصدر السابق. ص:142.

5- توفي يوم الأحد 7/9/2008، عن عمر يناهز الـ73 بالعاصمة الإيطالية روما.

 

التحالف الدولي يقلص غاراته ضد الدولة الإسلامية

حرية الصحافة في العراق تفشل في الاهتداء لطريقها

قائد الجيش اللبناني يدعو للاستعداد لمواجهة إسرائيل

السودان مع سد النهضة لـ'استعادة المياه' من مصر

سوق العبيد يفتح على ليبيا أزمات دبلوماسية متلاحقة

فرنسا تسعى لدور أكبر كوسيط في الشرق الأوسط

أدنوك تنفذ خطة طموحة لخصخصة الأنشطة الخدمية وتوسيع شراكاتها

تصريحات متناقضة لحزب الله تعكس عمق أزمته

حماس تحمي علاقاتها مع إيران برفض وصف حزب الله بالإرهاب

صمت انتخابي تلفه مخاوف العزوف عن اقتراع المحليات بالجزائر

غياب الأمن يفاقم جراح القطاع الصحي بجنوب ليبيا

أربيل تستنجد بالمجتمع الدولي لرفع قيود بغداد على الإقليم

عون يدافع عن حزب الله لإخفاء تورطه في دعم الإرهاب

إرادة عربية لإبعاد لبنان عن مغامرات حزب الله

العراق يستعد لترحيل عائلات جهاديين أجانب

المحكمة الاتحادية تبطل استفتاء كردستان العراق

إرهاب الطرقات يسابق الفوضى الأمنية في حصد أرواح الليبيين

أزمة سوق العبيد في ليبيا تثير الغضب الدبلوماسي للنيجر


 
>>