الموصل (العراق) - في حي هادئ حيث تطل أشجار الكمثرى والورود من فوق أسوار الحدائق تتناثر بقايا اصيص زهور محطم بجوار كتل من الخرسانة والتراب هي كل ما تبقى من منزل أسرة مسيحية جرى تفجيره هذا الشهر.
وعلى مقربة تلمح العين أطلال منزلين آخرين مملوكين لعائلتين مسيحيتين ولم يتبق سوى الأنقاض تحت سقفي المنزلين.
وجرى تفجير المنازل الثلاث بفارق دقائق قليلة في إطار حملة من العنف هذا الشهر تسببت في نزوح 1500 عائلة مسيحية على الأقل من الموصل التي تعد واحدة من أكثر المدن العراقية تنوعا من الناحيتين العرقية والدينية.
ويقول جيران لاصحاب المنازل الثلاث إن مجهولين أنذروا العوائل بالمغادرة قبل دقائق من تدمير منازلهم.
والهجمات والتهديدات التي استهدفت في الآونة الأخيرة المسيحيين تسببت في انزعاجا امتد من بغداد إلى الفاتيكان والى الأمم المتحدة.
وسلطت أعمال العنف الاضواء على مأساة أقلية دينية يقدر عددها بمئات الآلاف في العراق الذي يشكل المسلمون الأغلبية الساحقة بين سكانه كما كشفت عن التصدعات في منطقة من البلاد أدى التنوع العرقي فيها إلى توازن دقيق للقوى.
وتقول السلطات المحلية ان هناك مبالغة في المخاوف من موجة أعمال العنف ضد المسيحيين بهدف إثارة الذعر. وتتوقع السلطات عودة العوائل إلى بيوتها سريعا.
وقال زهير محسن الأعرجي رئيس بلدية الموصل إن 35 عائلة مسيحية على الأقل عادت لبيوتها.
وقال الأعرجي إن وسائل الإعلام بالغت في تصوير حادث أو حادثين مؤكدا أنه على ثقة من أن العوائل المسيحية ستعود للمدينة وتحيا حياة طبيعية وإن أحدا لن يهاجمهم. والأعرجي أحد أفراد طائفة الشبك وهي أقلية عراقية صغيرة العدد.
وقال الجيش الأميركي ايضا إن أعمال العنف ربما شهدت تضخيما في إطار محاولة لإثارة التوترات.
واجتمع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الأربعاء مع زعماء مسيحيين وكرر وعده بحماية المسيحيين في العراق.
ولكن المسيحيين يدركون جيدا ان جماعات مسلحة تابعة لبعض الأحزاب الحاكمة في بغداد هي التي تقف وراء الهجمات والتهديدات "الغامضة" التي يتعرضون لها.
ويبدو ان مسلحين تابعين لأحزاب كردية وطائفية متحالفة قاموا على مدى الأسابيع الماضية بتوزيع منشورات تهديد باسم تنظيم القاعدة، كما نفذوا سلسلة من أعمال القتل في محاولة للإيحاء بان ذلك التنظيم هو الذي يقوم بتلك الأعمال.
وهذه ليست المرة الأولى التي ترتكب فيها جرائم ضد الأبرياء ويتم نسبها الى تنظيم القاعدة او الى فصائل أخرى في المقاومة العراقية.
ويقول مراقبون في بغداد ان هذا التكتيك مألوف، وهو نجح الى حد كبير في صنع كل الشروخ والإنقسامات الطائفية الراهنة، والتي تشكل اليوم المصدر الرئيسي لنفوذ الأحزاب الدينية التي تولت قيادة البلاد.
وتحاول الأحزاب المتورطة في الهجمات ضد المسيحيين التهوين منها، وذلك بعد افتضاح جانب من الحقيقة وهو ان "الأطراف الغامضة"، ليست "غامضة" الى تلك الدرجة.
وقال مكتب المالكي في بيان إن رئيس الوزراء وعد بمعاقبة الجماعات التي تقف وراء نزوح المسيحيين ومحاسبة جميع الأطراف التي تقف وراء العناصر المسلحة.
وأعلن عن مقتل حوالي 12 مسيحيا عراقيا هذا الشهر ولكن القوات الأمريكية تقول إنه لا يمكن التحقق من عدد الهجمات.
والتزم المسؤولون العراقيون الحذر في إلقاء المسؤولية. ففي الموصل الكل يتحدث عن مؤامرات خفية ومتآمرين مجهولين.
وقال الأعرجي إن جماعات معينة تستغل قضية التصعيد ضد المسيحيين لتنفيذ مخططاتها متعهدا بالكشف عن هذه الجماعات قريبا.
وقال بيان المالكي إن ما يتعرض له المسيحيون في الموصل "جزء من مخطط سياسي" لكنه لم يقدم يوضح من يقف وراء المخطط المقصود.
وبطبيعة الحال، فقد ألقى البريجادير جنرال توني توماس قائد القوات الأميركية في الموصل بالمسؤولية عن الهجمات على متشددين إسلاميين من السنة.
ويشير آخرون ومن بينهم مسيحيون كثيرون في صمت بأصابع الاتهام إلى الأقلية الكردية القوية في الموصل التي تسيطر على المجلس الإقليمي وتشكل أغلبية في جيش محلي. ويقول البعض إن الأكراد يريدون إظهار أنه لا يمكن السيطرة على الموصل بدونهم.
وقد تشهد الانتخابات الإقليمية المقرر أن تجرى في نهاية يناير/كانون الثاني القادم تقلص سلطة الأكراد في الإقليم عندما يشارك العرب للمرة الأولى يعد أن قاطع كثير منهم الانتخابات الماضية.
وكانت مسودة أولية لقانون الانتخاب ستضمن للمسيحيين عددا صغيرا من المقاعد في المجلس الإقليمي لكن البرلمان ألغى هذه الحصة الشهر الماضي مما دفع بعض المسيحيين للتظاهر في الشوارع.
ويقول مسؤولون أميركيون إن عودة المسيحيين لبيوتهم قد تتطلب شهورا رغم تطمينات رئيس البلدية.
وقال اللفتنانت كولونيل روبرت موليناري وهو ضابط اميركي في الموصل "لا اعتقد أنهم سيعودون في المدى القريب".
وأضاف "لن يعود المسيحيون إلا عندما يرون أن هناك اوضاعا" يثقون فيها.
وبدأت القوات الأميركية والعراقية أحدث حملة أمنية في وقت سابق من هذا الشهر ووعدوا بإعطاء اهتمام خاص لتأمين الأحياء المسيحية.
وقال الأب جبرائيل توما وهو كاهن في دير قريب من الموصل لاذت به بعض العوائل إن هذه العوائل مستعدة للعودة بشرط توافر الأمن مضيفا أنهم في انتظار أن تفعل السلطات المركزية الجيش شيئا.