كشف تقرير باللغة الانكليزية لمعهد الحرب والسلام على موقعه الالكتروني عن المأساة التي يعيشها المغنون في العراق أثر قمع المليشيات الطائفية المرتبطة بالاحزاب الدينية الحاكمة اليوم.
وسلط التقرير الذي كتبه مراسل المعهد في محافظة ذي قار جنوب العراق الضوء على الرعب الذي يعيشه المغنون والاختفاء عن الاماكن العامة خشية من عناصر المليشيات الطائفية.
وسرد التقرير محنة المغني "جاسم الاسمر" الذي يمثل صورة لغيره من المطربين الريفيين اللذين كانوا نجوم الحفلات الغنائية الشعبية قبل احتلال العراق.
واختار التقرير أسما مستعارا لهذا المغني الريفي خشية عليه من الاحزاب الدينية الحاكمة في أشهر مدن الفن في العراق.
يذكر ان محافظة ذي قار ومركزها مدينة الناصرية قد أنجبت نجوم الغناء العراقي الريفي مثل داخل حسن وناصر حكيم حتى جيل السبعينيات مثل حسين نعمة والملحن طالب القره غولي وأخيرا علي جودة من جيل الثمانينات.
و"جاسم الاسمر" يتعامل مع الزبائن اللذين يريدون احياء حفلة بطريقة الاشارات خشية من جواسيس الاحزاب الدينية والمليشيات اللذين ينتشرون في المقاهي.
ويتحدث الاسمر بصوت هادئ مع الاخرين خشية اكتشاف أمره وبالتالي اعتقاله وتعذيبه وحتى قتله.
وقال التقرير:أن الاسمر هو واحد من أفضل الاصوات الريفية في الناصرية ولم يفقد بريقه مع انه عبر الستين من عمره.
اضافة الى الغناء فجاسم الاسمر "وهذا اسمه المستعار" قد كتب ولحن عشرات الاغاني لاشهر المغنيين العراقيين والعرب على مدار السنين الماضية.
وقال الاسمر لمراسل معهد الحرب والسلام حيث يقضي يومه في مقهى اصبح مكانا لتجمع المطربين بمدينة الناصرية "المليشيات تعد الغناء نوعاً من الالحاد وتحاربه بكل عنف وشراسة!".
اما العازف قاسم الذي وصفه التقرير بالامهر والاشهر بين موسيقيّ مدينة الناصرية فقد عبر عن حنينه لتلك الايام التي كان يسهر فيها على عمل غنائي جديد، واصفا نفسه آنذاك مثل الملك المنتشي "لم تمر ليلة من دون حفلة في الناصرية، اما اليوم فنحن أشبه بالعاطلين في المقاهي".
وعبر أحمد أمير وهو عازف موسيقي عن حنينه لتلك الايام التي كانت تُرقص حتى سعف النخيل.
وقال أمير وهو اسمه المستعار "ان المليشيات الطائفية حولت نشوتنا بالغناء الى اللطم على الصدور".
وعاد جاسم الاسمر مستذكرا الايام التي تلت احتلال العراق عام 2003 حيث سيطرت المليشيات الطائفية القادمة من ايران على مقاليد الحكم في مدينة الناصرية، وتحدث رجال الدين بازدراء عن الموسيقى والفن واصفين المطربين بالذين ظلوا طريق الله، الامر الذي دفع المتطرفين الى اعتقال المطربين وحرق محلات التسجيلات الغنائية مثلما حرقوا متاجر بيع الكحول.
وارغمت تهديدات المليشيات الطائفية الاسمر وبقية المطربين الى التواري خشية من الاعتقال والقتل.
ويغني جاسم الاسمر مع العدد القليل المتبقي من المطربين في اماكن سرية وبصوت غير مسموع وبلا مكبرات صوت.
ويخشى الاسمر الغناء على المسرح خشية من ان يندس بين الجمهور أحد اعضاء المليشيات الطائفية ويطلق النار عليه.
وشهدت مدينة الناصرية على مر تاريخها المعاصر حياة ثقافية وسياسية متعددة التوجهات وكانت يوما ما معقلا للحزب الشيوعي العراقي، كما ان حزب البعث المحظور قد انطلق من هذه المدينة.
ومنحت حكومة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين الحريات الاجتماعية في المدينة حيث اشتهرت بالنوادي الليلية والبارات التي كانت تحف بالرواد على امتداد النهر الذي يشق المدينة.
وقال الاسمر لا أحد يستطيع عد المطربين اللذين خرجوا من هذه المدينة وانطلقوا صوب بغداد وحصدوا الشهرة في ارجاء العراق والوطن العربي.
واضاف ان الغناء بصوت جميل وحتى تلاوة القرآن الكريم ميزة في هذه المدينة على مر تاريخها المعاصر.
وأكد على ان السلطات قبل احتلال العراق شجعت المطربين وأغدقت عليهم بالمال والتسهيلات من أجل الغناء العاطفي والسياسي، بينما تقوم الاحزاب الدينية الحاكمة اليوم بتكميم أصوات المغنيين على اعتبارهم "رجساً من عمل الشيطان"!
وتساءل بقوله: "كان نظام صدام حسين يريدنا ان نمجده، اما اليوم فلا نعرف ماتريده الاحزاب الدينية الحاكمة، الامر الذي يصيبنا بالرعب خشية من القتل".
وقال "ان رجال دين في المدينة منعوا الالات الوترية وحدها، فيما حرم رجل دين آخر الات الايقاع، ولك ان تتخيل فوضى التحريم والتحليل في العراق اليوم".
وتوقع الاسمر عدم نجاحهم في تحريم استعمال الآلات الموسيقية لان بعضها يستخدم في مراسم الطقوس الحسينية الشائعة في عاشوراء.
وكشفت اراء رجال دين شيعة في الناصرية عن اختلاف التوجهات من الموسيقى.
وقال الشيخ حكيم الصالحي المناهض للاحتلال الاميركي لمعهد الحرب والسلام "ان الغناء عند السيد مقتدى الصدر عمل شيطاني يسلب روح الصلاة من الانسان".
وأكد الصالحي على منع الغناء وفقا لتعليمات السيد مقتدى الصدر "نحن مجتمع مسلم وعلينا رعاية ديننا والقواعد التي يريدها الله ومعاقبة كل من يمارس الاثم والابتعاد عن الدين".
واعتبر رجل الدين تحسين البقي الغناء من المحرمات، لكن اغلب الفقهاء لم يجزموا بقتل المغني.
وقال البقي الذي عرّف نفسه بالمستقل "ان ضرر المطربين يكمن في تخليهم عن الرسالة الاسلامية، لذلك يجب أعادتهم الى الطريق بالاقناع والتوجيه ومنعهم من تحدي العقيدة الاسلامية".
اما رجل الدين أحمد الفرطوسي فنفى ان تكون هناك فتاوى بتحريم الغناء ومنع استخدام الآلات الموسيقية.
وأكد على تطرف بعض الجهلة في استهداف المغنين، اضافة الى الشخصيات العامة من أجل مصالح سياسية، مؤكدا عدم مسؤولية رجال الدين عن قتل واضطهاد المطربين والشعراء.
وأجبر التهديد بالقتل العديد من الفنانين التواري والتخلي عن الفن والعيش في منازل بعيدة نسبياً عن المدينة او عند شخصيات اجتماعية قادرة على حمايتهم، واذا تسنى لهم الغناء فسيكون ذلك في مناطق بعيدة عن مركز مدينة الناصرية.
وبعض المطربين باعوا اصواتهم بـ "سوق النفاق" لضمان سلامتهم، كما فعل أحمد صديق جاسم الاسمر عندما تحول من الغناء الى الندب والرثاء واللطم على الصدور في المواكب الحسينية.
وقال الاسمر ان أغلب أغانيه قد سرقت من قبل فنانين عرب وتبث الان على القنوات الفضائية ولها شهرة واسعة من دون اذن مسبق منه.
ويخشى الاسمر التحدث بذلك او مقاضاة المطرب المنتحل لاغانية خوفا من انكشاف أمره للمليشيات التي منعته من ممارسة اي فعل غنائي أو شعري.
وقال الاسمر "لو عرفوا بأن هذه الاغنية لي فلن يرحموني، وفي آخر مرة اعتقلوني وعذبوني لكنهم اطلقوا سراحي بعد ان أرغموني على كتابة قصيدة تمدح زعيمهم الديني!".
وطالب السلطات الحكومية بحماية الفنانين في محافظة ذي قار والسماح بعودة الغناء في الاماكن العامة.
وحلت السلطات المحلية في محافظة ذي قار نقابة الفنانين في المدينة منذ سنوات.
وقال نقيب الفنانين السابق في ذي قار علي عبد عيد: "لا يمكن حماية الفنانين من أساليب القتل والاختطاف التي يسلكها عناصر المليشيات".
وقال كاظم العبيدي نقيب الصحفيين في ذي قار "ان الفنانين كانوا ضحايا لاضطراب واسعة، ولا يمكن للسلطات الأمنية حمايتهم لانها عاجزة عن فرض القانون في المقام الاول".
واضاف العبيدي "من النادر ان تسمع مغنيا في هذه المدينة التي انجبت أروع الاصوات".