تحليل: في جو مفعم باليأس، مبادرة السلام العربية تصارع من أجل البقاء

واشنطن - من جيم أندرسون
مبادرة الامير عبد الله قد تكون المخرج الوحيد من الازمة

في غمرة الضجة الناجمة عن الهجمات الاستشهادية الفلسطينية وأزيز الدبابات الاسرائيلية، اقترحت جامعة الدول العربية هذا الاسبوع في بيروت مبادرة للسلام بين العرب والاسرائيليين.
وهذه المبادرة ليست هي الوحيدة المطروحة الان لاحلال السلام في الشرق الاوسط . إذ لا تزال هناك أيضا مجموعتان من الافكار الاميركية مطروحتين على المائدة أي ما يسمى بخطتي ميتشيل وتينيت، إلا أنهما يرقدان في حالة من السبات التام.
كما أن هذه ليست المرة الاولى التي يطرح فيها السعوديون مثل هذه الافكار. فقبل قرابة عشرين عاما طرح ولي العهد آنذاك الامير فهد- عاهل السعودية المعتل الصحة الان- أفكارا مماثلة،غير أنها انزوت في خضم الخلافات العربية وحالة الارباك التي أعقبت الغزو الاسرائيلي للبنان في عام 1982 ورحيل منظمة التحرير الفلسطينية إلى تونس لممارسة نشطاها في المنفى هناك.
إذن لماذا كل هذه الضجة المثارة حول اعتماد الجامعة العربية لهذه المبادرة؟
الواقع أن هناك عدة أسباب هي كالتالي:
- خلافا للمبادرات الحالية والسابقة تأخذ هذه المبادرة طابعا إقليميا. فهي لا تقتصر فقط على الطرفين الرئيسين فقط في الصراع الاسرائيلي-الفلسطيني، إذ تعرض المبادرة العربية إقامة علاقات طبيعية بين الدول العربية وإسرائيل بشرط قيام إسرائيل بالانسحاب من جميع الاراضي التي احتلتها في الضفة الغربية وغزة ومرتفعات الجولان.
– إنه أمر جدير بالملاحظة أن الجامعة العربية التي تعصف بها الخلافات عادة استطاعت الاتفاق على أي شئ. وربما يكون الزعماء العرب المتشددين موقنين أن إسرائيل سوف ترفض المبادرة وأنهم على هذا لن يخسروا شيئا من الموافقة عليها ظاهريا. بيد أنه ليس هناك على الاطلاق أي شئ يقال أنه مؤكد وخاصة مع تصعيد العنف. ولعلنا نتذكر أن إسرائيل رفضت بشكل قاطع فكرة الجلاء عن جنوب لبنان إلى أن قرر قادتها أن التكاليف السياسية والعسكرية للبقاء هناك باهظة للغاية.
- ان المبادرة خلت تماما من أي بصمة أميركية. وهذه تعد هي المرة الاولى التي يتم فيها التجاهل الظاهر للولايات المتحدة فيما عدا ما تضمنته من رجاء مبهم في أن المجتمع الدولي بما في ذلك الولايات المتحدة، سوف "يدعم المبادرة". وقطعا هذا ليس بالخبر السعيد بالنسبة لادارة بوش ،ولكن يبدو أن ذلك أحد نتائج النهج المتقطع للانخراط الاميركي في صراع الشرق الاوسط.
- حقيقة أن الترحيب بعودة العراق كعضو كامل الاهلية بالجامعة العربية وتأييد الاقتراح الخاص بتسوية الحالة العراقية-الكويتية في بيروت يبدو أنه مؤشر على أن الدول العربية، وبالذات السعودية، ترفض كلية فكرة شن هجوم على العراق- بوصفها إحدى الدول المدرجة على قائمة الدول التي تمثل "محور الشر" ذلك المصطلح الذي أطلقه الرئيس جورج دبليو بوش- بسبب ما يقال عن امتلاك بغداد أسلحة الدمار الشامل.
إن المبادرة العربية تعد بمثابة مؤشر واضح على أن سياسات الهدم والتجريف التي ينتهجها رئيس الوزراء الاسرائيلي أرييل شارون، والتي تنقل مشاهدها شاشات التليفزيون الدولية، قد حفزت العالم العربي بطريقة لم يسبق لها مثيل. كذلك يتضح من استطلاعات الرأي في إسرائيل إن شارون قد فقد الـتأييد من جانب الشعب الاسرائيلي الذي يعيش الان في حالة من الحصار.
وهذا المزيج من قوى الدفع يعد ظاهرة جديدة في الشرق الاوسط. ففي الماضي كان السبب الذي يجعل الحكومات الاسرائيلية تفقد تأييد الناخبين هو اعتقادهم أنها على استعداد لتقديم تنازلات لا داع لها من أجل السلام.
بل أن أحد عوامل بقاء شارون في السلطة، رغم تدني شعبيته طبقا لاستطلاعات الرأي، هو أن خليفته سيكون على الارجح بنيامين نتانياهاو الذي يقول أنه سوف ينتهج خطا حتى أكثر تشددا من خط شارون.
بيد أنه يتعين على الساسة الاسرائيليين والاميركيين التفكير مليا في حقيقة أن العالم العربي بات الان منخرطا في الصراع الاسرائيلي-الفلسطيني، وأن سبب هذا الاهتمام الجديد هو فشل الاجراءات العسكرية العنيفة في وقف الهجمات الفلسطينية الاستشهادية.
والنتيجة التي يمكن ان نخلص اليها ان المبادرة العربية قد تمثل حلا معقولا بالنسبة لبعض الاسرائيليين على الاقل، اذا وجدوا انه لا امل في أي حل عسكري للصراع.