تحليل: معارضة أمريكا للمحكمة الجنائية تهدد كل عمليات حفظ السلام

نيويورك - من جيه.تي. نجوين
اصحاب القبعات الزرق قد يختفون من المسرح العالمي بسبب رفض واشنطن

أعرب دبلوماسيون عن مخاوفهم من أن تتسبب معارضة الولايات المتحدة للمحكمة الجنائية الدولية التي بدأت عملها الاثنين الماضي، في تعجيز إحدى أهم المهام التي تقوم بها الامم المتحدة، وهي مهمة حفظ السلام، ما لم يتم إيجاد حل لتهدئة المخاوف الامريكية من المحكمة.
ولم تكلل جهود الدبلوماسيين من غرب أوروبا التي تتحالف دولهم مع واشنطن بالنجاح في تلبية المطلب الامريكي بمنح دبلوماسييها وموظفيها العسكريين الذين يخدمون في مهام حفظ السلام، حصانة من سلطة المحكمة القضائية.
وصبت الولايات المتحدة جام غضبها على مهمة تدريب الشرطة في البوسنة حيث استخدمت حق النقض (الفيتو) الاحد الماضي لمنع تمديد فترة المهمة التابعة لحلف شمال الاطلنطي (الناتو).
لكن آثار التصويت على بعثة الامم المتحدة في البوسنة (سفور) والمكونة من18.500 جندي من بينهم 2000 أمريكي، تمتد إلى ما هو أبعد من البلقان.
فقد أوضحت واشنطن الاثنين أنها قد تعوق مهمات أخرى لحفظ السلام تابعة للامم المتحدة في المستقبل حتى تتم الاستجابة لمطالبها.
وقال المتحدث الرسمي باسم الخارجية الامريكية ريتشارد باوتشر أن الولايات المتحدة "ستضطر إلى إعادة النظر في عمليات انتشار أخرى لحفظ السلام".
وقال "لقد استخدمت الولايات المتحدة حق الفيتو ضد تمديد مهمة حفظ السلام في البوسنة، ليس بسبب افتقادها للالتزام إزاء البوسنة أو لحفظ السلام، بل لان المجلس استمر في عدم تجاوبه مع المخاطر غير المقبولة
التي تحدق بالامريكيين المشاركين في حفظ السلام من جانب المحكمة الجنائية الدولية".
وقال "لا يمكننا أن نسمح بأن يصبح رجالنا المشاركين في حفظ السلام عرضة للسلطة القضائية للمحكمة الجنائية الدولية التي لا تمثل الدولة الامريكية، ولا يمكننا أن نسمح للمحكمة الجنائية الدولية أن تحكم على نظامنا القضائي".
وقد تطفو القضية على السطح مرة أخرى في وقت لاحق من الشهر الجاري عندما يدرس مجلس الامن تجديد ثلاث مهمات أخرى لحفظ السلام من بينها تلك في لبنان.
وربما يكون المحك هو قضية سفور التي تبقى معلقة بعد أن وافق مجلس الامن الدولي ليلة الاربعاء/الخميس وعقب سلسلة من المداولات المضنية على التمديد المؤقت حتى منتصف تموز/يوليو الجاري لكسب الوقت في إيجاد حل وسط ترتضيه واشنطن.
وتعود آخر مرة اضطر فيها المجلس لانهاء مهمة إلى عام 1999 عندما استخدمت الصين حق الفيتو ضد تمديد مهمة حفظ السلام في مقدونيا لارتباط مقدونيا بعلاقات دبلوماسية مع تايوان.
وقال دبلوماسيون أن واشنطن - أكبر مساهم في ميزانية الامم المتحدة - بإمكانها وقف مساهمتها المالية إذا لم يتم الاستجابة لطلبها الخاص بالحصانة.
وقد استهدف التوقيت الاستراتيجي من جانب واشنطن البدء الرسمي لاعمال المحكمة الجنائية الدولية الاثنين الماضي وهي هيئة أنشئت للفصل الدائم في تحقيقات ومحاكمات جرائم الحرب. وتجرى هذه التحقيقات حاليا شريطة موافقة الامم المتحدة.
وتتخوف واشنطن من أن المحكمة ستستغل ضدها سياسيا لانها تلعب دورا رئيسيا في جهود حفظ السلام حول العالم. وتحت ضغط من التأثير العسكري المحافظ، سحب الرئيس الامريكي جورج. بوش موافقة الولايات المتحدة على معاهدة المحكمة الجنائية الدولية التي وقعها سلفه بيل كلينتون.
يذكر أن 139 دولة وقعت على المعاهدة صدقت منها 75 عليها.
وحث الدبلوماسيون الغربيون الساعين بشدة لايجاد حل، واشنطن على إبرام اتفاقيات ثنائية مع الحكومات حتى لا تتم محاكمة الامريكيين من المشاركين في قوات حفظ السلام في بلادهم.
وأشاروا إلى أن قواعد المحكمة الجنائية الدولية تعطي أي حكومة المسئولية الاساسية لمحاكمة رعاياها قبل أن تتدخل المحكمة.
لكن كل الجهود فشلت الاحد الماضي. ولم يثن ظهور الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان أمام مجلس الامن، السفير الامريكي جون نيجروبونتي عن عزمه.
وقد حث عنان أعضاء المجلس البالغ عددهم 15 دولة على تكثيف النقاش مع واشنطن وحذر من أن كل عمليات حفظ السلام في خطر.
والمهمة التي تناولها التصويت هي مهمة قوة الشرطة الدولية التابعة للامم المتحدة، وهي برنامج تموله المنظمة الدولية لتدريب ضباط الشرطة المحليين اللازمين لحفظ السلام بين الصرب والكروات والمسلمين في البوسنة حيث اندلعت حرب أهلية من 1992 إلى .1995
وقد أقام البرنامج بالفعل دورية شرطة حدودية للحد من الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر.
وكان من المقرر تسليم البرنامج بأكمله الذي تكلف 42 مليون دولار متضمنا الاجهزة والسيارات إلى الاتحاد الاوروبي في كانون الثاني/يناير المقبل.
وحذر رئيس وزراء البوسنة دراجان ميكيريفيتش من أن فشل التمديد سيؤثر بالسلب على التقدم الذي تم إحرازه بشق الانفس.
وحذر المتحدث باسم الامم المتحدة فريد ايكهارد من أن أثار ذلك على الدولة الواقعة في منطقة البلقان قد تكون مدمرة وذات عواقب "وخيمة جدا".
وقد يشكل تسليم الامم المتحدة برنامج الشرطة البوسنية إلى الاتحاد الاوروبي فورا مخرجا ممكنا من المأزق. لكن مثل هذه الخطوة ستدفع الولايات المتحدة للتهديد بإعاقة أي مهمة أخرى لحفظ السلام.