هشام مطر.. روائي في حجرة الانتظار الأبدي
عاد الروائي هشام مطر الى واجهة الاخبار السياسية في الصحافة البريطانية، وهو الروائي وليس السياسي! كم يحتمل الأمر من تأويل، انه وجع الانتظار ليس إلا، أو كما يصفه هشام "الجلوس في غرفة انتظار أبدي" يا للعذاب!.
صحيفتا "الغارديان" و"التايمز" اهتمت بمحنة هشام العائلية ولم تشر الى اي جانب أدبي في قصته، حيث الغياب القسري لوالده الدبلوماسي الليبي السابق جاب الله مطر من دون التعرف على مصيره الى الآن، الامر الذي دفع الحكومة البريطانية التعاطف مع هشام بصفته "البريطاني" وليس الليبي! كما تبنى وزير الخارجية البريطاني ديفيد ميليباند الامر بطريقة دبلوماسية لا تضر بـ"المصالح"!
صحيفة "التايمز" اشارت الى مطالبة 270 أديباً عالمياً بينهم حاصلون على جائزة نوبل للاداب مثل التركي اورهان باموك والجنوب أفريقي م. كوتزي والنيجيري وولي سوينكا إضافة الى الروائي السير سلمان رشدي، بالضغط لمعرفة مصير والده.
وقال هشام مطر إنه طالب الخارجية البريطانية بممارسة الضغوط والتدخل، والتقى مسؤولون بريطانيون بسيف الاسلام القذافي، نجل العقيد معمر القذافي عام 2009 لكنهم لم يتلقوا أي معلومات قوية حول مصير والده الذي تجاوز عمره الـ71 إذا كان لازال على قيد الحياة.
فهل تخطى الاحساس بالمحنة الحس الأدبي لهشام مطر؟ فهو لم يصدر بعد روايته الاولى منذ عام 2006 اي عملا أدبياً مع انه اتفق مع دار النشر على كتاب ثان عند توقيعه العقد.
قد يبدو الامر أصعب من "التخيّل" حينما يصف هشام الامر بانتظار أبدي. اذ لا قيمة بمطالبة الكاتب بعمل أدبي وهو يعيش في انتظار أبدي موجع!
مهما يكم من أمر، فثمة ما يستحق في العودة الى رواية "في بلاد الرجال" فيما ينتظر القارئ من هشام مطر الجديد.
على القارئ احباط الدوافع التي بدأت سائدة عند النقاد من أن رواية الكاتب الليبي وكأنها كتبت بدافع انتقام سياسي أو مايشبه ذلك عن اختطاف والده من قبل السلطات الليبية بتواطؤ وضيع مع السلطات المصرية، كذلك سألته عما اذا كان مازال يحلم باللغة العربية، وهل يفكر بالعربي عندما يكتب باللغة الانجليزية عن واقع عربي اصلا؟
قال هشام مطر: "كلا أخر حلم لي بالعربي عنما كنت في الخامسة عشرة من عمري، وبلا شك اني أفكر بالانجليزي واستذكر أحداثاً عربية، أنا انجليزي مثلما أنا اميركي -ولد هشام في نيويورك ويعيش حالياً في منطقة همرسميث بلندن- كما أنا ليبي".
حتى أن السيدة الليبية والدة هشام عبرت عن املها أن تقرأ الرواية كما هي كنص أدبي ليس إلا.
قد يجيب هذا الشاب الانجليزي- العربي في روايته "in the country of men" عن الاسئلة المتراكمة التي تنطلق من صدور الكتاب العرب عن حقوق مؤلفاتهم وعلاقتهم بدور النشر وهو يوقع عقدا مع شركة "فايكنج" أحد فروع مؤسسة بينجوين العالمية للنشر، لإنتاج روايتين كانت "في بلاد الرجال" أولاهما.ثم شراء حقوق نشر الرواية في أربعة عشر بلداً آخر منهم ألمانيا، فرنسا، إيطالىا، أسبانيا، البرتغال، الىابان، هولندا وغيرها. وصدرت الطبعة الأميركية في عن دار نشر رواندوم هاوس العالمية.
يجيب هشام مطر بابتسامة عميقة ومؤثرة في تاريخه الشخصي عندما أصطحب وكيله الأدبي كيفن سكوت الى مبنى "بنغوين" لتوقيع العقد، وهو يراقب على الجدران صور الكتّاب الكبار الذين مروا على بنغوين: غراهام غرين هيرمان هيسه وتوماس مان وغارسيا ماركيز.... وها هو يشاركهم الدارنفسها، كم سيدر عليه هذا الكتاب؟ نصف مليون دولار... ربما اكثر بقليل.! العقد الذي وقعه يتكون من رقم الى جواره ستة أصفار.
تسرد الروايه بلغة انجليزية مفعمة بالشعرية تاركة مساحة الخيال الانجليزي تتأمل المكان والحس العربيين،على مساحة 256 صفحة عوالم السارد "سليمان" ذي السنوات التسع وهو ينشأ في بيئة مذهلة حين يختفي والد أعز أصدقائه، وهناك رجل يجلس خارج البيت طوال النهار، ملقياً أسئلة غريبة، ولكن لا يمر الكثير من الوقت قبل أن تصبح الهمسات مسموعة لأذن سليمان، حتى أنه في محاولة لإنقاذ أسرته، قد ينتهي الأمر به بخيانة اصدقائه ووالديه وفي النهاية نفسه. تظهر شخوص الرواية رجالا متحجّرين صارمين مروّعين، أو بتعبير الروائية ساره برودهورست: "أنها مقلقه، مؤثرة، بل إنها تأسرك، إنها من ذلك النوع من الكتب الذي لا يتخلى عنك... مدهشة وقويه". وبالنسبة لسليمان، فأن الرجال المتحجرين مضطرون، ولكنّهم ذوو حضور فعّال: "يداه تمتدّان في الفراغات الضبابيّة التي فُرض عليه أن يستسلم لها، بيد أن سليمان شبّ في ليبيا عام 1970 وليس لأيّام سليمان شكل أو هيئة، المدرسة معدومة، وهو يقضي وقته في اللعب على سقف منزل والديه أو في شوارع الضاحية المكتظّة، والد سليمان يختفي في رحلات تجاريّة وأمه تعد نفسها لعودة أبيه، ولكنها تقع في نوبة تعاسة كلّما غاب: "تقهقه بصوت عال، تدخن بلا انقطاع وتحتسي الكحول كلما رغبت بذلك...".
عندما كانت الأم في سنّ الرابعة عشر، كانت تتجسّس خلسة وتتسكّع مع الأولاد في مقهي إيطالي في طرابلس، فحجزت من قبل عائلتها في حجرة مغلقة لشهر كامل، وأُجبرت على الزواج.. أصبح سليمان وثيق الإرتباط بالمعصية والرغبة العارمة المنبثقتين من هذا الواقع. لقد كان الاب "الرجل العِقاب لها" وسليمان "الولد الذي ختم على مصيرها".
ينأى هشام مطر بالسؤال عن أن رواية "في بلاد الرجال" أشبه بالسيرة الذاتية الحياتية، من دون أن يقلل من أهميته، فبالرّغم من تصويرها لانفصال سليمان ذي التاسعة عن والديه، ليست تماما عن إختفاء والده، فالكتاب عن هذا الإختفاء سوف يتمّ تدوينه، ويعلم أنه في يوم ما سيقوم بكتابته، كما يقول لستيفن موسّ المحرّر الأدبي لصحيفة "الغارديان" البريطانية.
إفتتن هشام بالطريقة التي يهرب بها الناس من "القصّ العظيم" لأنه يقولبهم: البلاد، الدين، الأسرة، الموروث، لقد أُرسل الصبي سليمان ذو التاسعة من العمر الى مصر من قبل والديه، حتى يتفادى الخدمة العسكريّة اللاّحقة، كما أن مؤلّف الكتاب غادر ليبيا عندما كان في التاسعة، حين ظهر إسم والده في قائمة الذين قرّرت الحكومة إستجوابهم، هربت الأسرة، وكان على رجال الأمن الإنتظار إحدى عشرة سنة لكي يقوموا بالإستجواب، كيف كانت الروابط بين الشخوص والمؤلّف؟
وُلدوا جميعا عام 1970، لقد تعيّن عليهم أن يجعلوا حياتهم كمنفيين وهذا واضح، لكن هشام مصرّ على أن الكتاب أكثر من أن يكون سيرة حياة "فسليمان وأنا مختلفان في جوانب كثيرة" يقول هشام: "فكونه الإبن الوحيد مهمّ جدّا، فهذا المونولوج الداخلي استمرّ معه طول الوقت، بينما كان لي أخ اتخذته كأنموذج لي ورافقته معظم الوقت، فقد كان بطل سباحة، محاطا دائما بالأصدقاء والكثير من أبناء العمومة، وإذن فلم تكن هناك عزلة، يضاف الى ذلك أن سليمان كان رهيفا عاطفيّا وأمّه متقلّبة المواقف لعبت دورا كبيرا في حياته، حيثما كانت أمّي وأبي كلاهما مستقيم يُعتمد عليه، وما استعملته كان من خلال منظور الولد، والمناظر الطبيعيّة كانت مألوفة لي، كما الزمن في السبعينات، حيث كنت آنذاك حاذقا، لقد استشعرت أن ثمّة أشياء لا يمكنك البوح بها، كأن تجلس حول مائدة الأكل، وينبري أحد الأعمام بالحديث فيغرق الجميع في الصّمت، حيث تذكّروا فجأة أن معهم ولدا ربّما نقل معه الكلمات الى مكان آخر، ومن ثم قد يُعتقل أحد... والفرق الجوهري الآخر أن والد سليمان كان ناشطا في الحياة السياسيّة السريّة بليبيا، بينما لم يكن جاب الله مطر كذلك، لقد كان دبلوماسيّا سابقا -وُلد هشام بنيويورك عندما كان والده في البعثة الليبية بالأمم المتحدة-".
الارتعاب من الكتمان
هكذا صار هذا العالم الملغّز موسوما بأكثر حدّة. كانت هناك لقاءات غريبة مفعمة بكلمات الإنشقاق السياسي بين الرّشد والهمس.. يرى سليمان والده وهو يعبر الشارع، بينما يفترض أنه خارج البلاد. يتلفّع الاب بالأطياف، وسليمان يرتعب في الكتمان.. يتحوّل مزيد من الرجال الى توجيه الأسئلة العدائيّة وهم يتدفقون على المنزل ويفتّشونه، يعتقل الأستاذ راشد، صديق والد سليمان، ثم يختفي الاب أيضا، وبعد إختفاء والده، يشاهد سليمان الأستاذ راشد وهو تحت التحقيق على شاشة التليفزيون، وفي آخر المطاف يظهر راشد في الشاشة وهو يصعد مسرعا سلّما وضع في ملعب كرة السلّة ليتدحرج منه مشنوقا.. وما أن يتحوّل المشهد الى الفظاعة المرعبة، حتى تمتليء الشاشة بمناظر الورود، ويُعزف النشيد الوطني ... لقد شاع أن الزعيم يتحكّم في هذه الفقرات من البرامج من خلال مفتاح يملكه في غرفته.
يصر ستيفن موس على تساؤله :لمَ لا يكون هشام مطر في أقصى حالات الغضب؟
في عام 1990، عندما كان طالبا في لندن، خُطف والده الذي كان معارضا ليبيّاً يعيش في القاهرة، وقد أُخذ الى طرابلس وسُجن، وبعدما كانت السلطات المصرية تؤكد لعائلته المقيمة في القاهرة أنه بحوزتها، هرّب الاب المختطف عام 1993 عدّة رسائل من داخل سجن أبو سليم في طرابلس تكشف ما تعرّض له من معاملة، كما تكشف أكاذيب السلطات المصرية التي تواطئت في عملية اختطافه مقابل ثمن وكالعادة! ولكن انعدمت أخباره منذ عام 1995. ولابدّ أن يكون انعدام الأخبار هذا مريعا.. فكيف يقاس هذا مع الشّاب الوسيم الملتزم الصبور؟
من الطبيعي أن يحدث الغضب نتيجة النخس كذلك يقول هشام، لقد استعاد الفراغ في منعرجات حياته: "إنك لا تعرف مصير هذا الشخص الذي يمثّل مركز حياتك، ويستمر أفقك في الإنسدال ... في البدء تنشد العدالة، ثمّ ترغب في رؤيته، والحديث اليه، وأخيرا لا تريد حتى هذا- وكلّ ما تريد معرفته هل هو حيّ أم ميّت؟".
كتب هشام مطر مقطوعة حسية مؤثّرة للجنة العفو الدوليّة عن آثار إختفاء والده في نفسه ونفس والدته وأخيه الأكبر، الذين مايزال يعيشان في القاهرة، وفي بداية تموز (يوليو) 2006 ظهر بجانب الكاتب هارولد بينتر الحائز على جائزة نوبل والمتعاطف جداً مع محنتي العراق وفلسطين وتوم ستوبّارد في مناسبة ذات مستوى عال أحيتها "مراقبة حقوق الإنسان" في رويال كورت بلندن، مع كل ذلك إنه لا يستاء من التفاعلات السياسيّة لقصّته وفق ستيفن موس المحرر الادبي لصحيفة الغارديان، غير أنه أيضا لا يقبل أن يعرّف بها.
يبدو رُعب السبعينات في ليبيا في الرواية وراء الكوالىس وليس لُبّها الصميمي، وبدلا من ذلك ففي متن الرواية ثمّة صبيّ يكابد لكي يفهم وفي نهاية المطاف يفرّ من المجتمع المغتم برهاب الإحتجاز "الخوف النفسي من الإختناق" والذي وُلد فيه.
يقول هشام عن ذلك "لقد وددت أن أكتب كتابا لا يتعلّق بالسياسة.. فأنا كما أظنّ من طلاّب الشهوة والذّائقة الجمالية، وليس لي في الحقيقة اهتمام بالسياسة، غير أن السياسة كانت جزءا من النسيج، على أن أقول شيئا عنها، وإلاّ كانت كل القوى التي شكّلت هذه الشخوص تجريدا محضا".
ربما من أجل ذلك وصفتها الروائية آن مايكلز:"إنها توضح لنا، أن الحب على الرغم من الخيانة، الحزن، الريبة، الغضب، الإرهاب السياسي يبقى هو الحب".
انها باختصار رواية شديدة التأثير، واستثارة ناعمة للصراعات البشريّة الكونيّة، إنها تتعلّق بالهويّة، المغفرة، الحبّ واللغة، وبغضّ النظر عن حجمها المتوسّط، فقد استغرقت كتابتها خمس سنوات، إنها تستحقّ أكثر من إنتظارها... وهشام سعيد بذلك فلا قيمة للوقت أزاء الاخلاص لروح النص، أو بتعبير هشام مطر ان المحررين الذين يعملون في مكتب وكيله الادبي كيفن سكوت جعلوا مخطوطة الرواية تتنفس: "كان النص قبل الإضافات يتكون من 58 ألف كلمة، لكنه وصل الى 75 ألف بعد إكمال مراجعته له".
التعصّب الوطني دقيق كالخيط الرّفيع
"ما أذهلني هو التحرّر من الشعور تجاه ليبيا" هذا ما يقوله بطل الرواية حينما بلغ طقس مسيرته الختام، ويضيف "التعصّب الوطني دقيق كالخيط الرّفيع- ربّما لهذا السبب يحاط بمنتهي القلق".
وهذا قد يفسر الى حد ما إجابة هشام لسؤالي في المستهل انه بريطاني اميركي ليبي، والظاهر أن المبدع بداخله لديه الشعور نفسه، إنه في غمرة معارك في عدّة أمكنة ممّا أشعره بعدم الإنفصال، فهو في الوطن بلندن، مدينة السعداء الرّاغبين في اللّذة. يقول هشام:"مهارتي تتبدّى في أنني ما أن تحطّ بي الطائرة في مدينة لم أزرها من قبل، حتى أتخيّل أنني وُلدت هناك والموت فيها سيكون أمرا شاذا .. وتقريبا أوّل ما يتبادر الى ذهني إحساسي الشديد بانعدام جذوري". فهشام هذا الشاب المصفوع بملامح السماحة والهدوء الرصين مثل سليمان يهرب من سره الكبير، وامتلك انتقامه في التدليل على أن الشرّ لا يكسف الشمس، الامر الذي يغفر لنا تكرار وصف رواية "في بلاد الرجال" انها رواية شديدة التأثير، واستثارة ناعمة للصراعات البشريّة الكونيّة، إنها تتعلّق بالهويّة، المغفرة،الحبّ.