آبل تدفع حدود الاتصال بالأقمار الصناعية من خدمة طوارئ الى واي فاي العصر
سان فرانسيسكو (كاليفورنيا) – يبدو ان اتصال الاقمار الصناعية سيصبح قريبا مرادفا للواي فاي في سهولة الوصول اليه، اذ تنوي شركة آبل توسيع محفظتها التكنولوجية من خلال إطلاق سلسلة من التحسينات الخاصة بخدمات الاتصال عبر الأقمار الصناعية لأجهزة آيفون وساعاتها الذكية، إلى جانب اتفاقية وشيكة تقريبًا تبلغ قيمتها مليار دولار سنويًا مع شركة غوغل لتشغيل مساعدها الصوتي "سيري" بنموذج الذكاء الاصطناعي "جيميني" المخصص.
وتبدأ آبل عادة عندما تدخل فئة منتجات جديدة برؤية طموحة تمتد للمستقبل، قبل أن تقلل بعض الطموحات لتقديم منتج جاهز للسوق. وخذ على سبيل المثال ساعة آبل: كانت الرؤية الأصلية أن تتحول إلى مختبر طبي محمول على المعصم، لكن النسخة الأولى اقتصرت على تتبّع نبض القلب. ومع الزمن، أضافت الشركة قدرات مثل تنبيهات اضطراب النبض ومراقبة انقطاع التنفس أثناء النوم، وهي الآن تعمل على ميزات مثل مراقبة ضغط الدم ومراقبة السكر باستمرار، لتقترب من الرؤية التي وضعَتها في البداية.
الحكاية نفسها تنطبق على مشروع آبل للأقمار الصناعية. منذ نحو عقد من الزمن، وظّفت الشركة اثنين من كبار مهندسي الأقمار الصناعية من شركة ألفابت لاستكشاف الإمكانات في هذا المجال، وكانت رؤيتها آنذاك جذريّة: وصل هواتف آيفون مباشرة بشبكات فضائية، متجاوزة شركات الاتصالات الأرضية. لربما كان الهدف أن يوفر ذلك تغطية شاملة في أي مكان، ويعطي آبل تحكّماً أكبر على بيئتها التقنية. في منتصف العقد الماضي، استكشف عدد من عمالقة التقنية، بما فيهم غوغل، مفاهيم مشابهة، لكن لم يكن هناك مسارٌ واضحٌ نحو التنفيذ التجاري الواسع.
في نهاية المطاف، قرّرت آبل أن تُقلّص الطموح إلى خطوة أكثر عملية لكنها ما زالت ثورية: خدمة "الطوارئ عبر القمر الصناعي" التي طرحت مع iPhone 14 عام 2022، والتي مكنت المستخدمين من الاتصال بخدمات الطوارئ في حالة عدم توفر شبكة خلوية – خطوة أولى حذِرة نحو رؤية أشمل. ومنذ ذلك الحين، توسّعت خدمات الأقمار الصناعية تدريجياً: ففي 2023 أضافت مساعدات طريق للسائقين العالقين، ومؤخرًا تمكّنت من إرسال واستقبال الرسائل النصية خارج نطاق التغطية الخلوية، وليس فقط للطوارئ.
خطوة أكثر عملية لكنها ما زالت ثورية
تشرف على التقنية هذه داخل آبل مجموعة تُعرف بـ Satellite Connectivity Group، ويتولّاها مايكل تريلا، مدير أول في قسم هندسة الأجهزة، ويتعاون الفريق مباشرة مع وحدات البرمجيات اللاسلكية، والتقنيات الصلبة، وتطوير الأعمال، وشؤون التنظيم لدى الشركة. الخدمة تربط هواتف آيفون المتوافقة، والآن حتى ساعة Apple Watch Ultra 3، بشبكة فضائية تديرها شركة Globalstar. آبل ناقشت أيضاً إضافة الخدمة إلى أجهزة iPad عبر مودمات داخلية، لكن لا شيء وشيك بخصوص هذا الأمر حتى الآن.
مع ذلك، المشهد التنافسي يتغيّر بسرعة. شركة SpaceX المملوكة لإيلون ماسك، التي تدير شبكة "ستارلينك" الخاصة بالأقمار الصناعية، أصبحت قوة كبيرة في اتصالات الأقمار الصناعية وأبرمت شراكات واسعة مع شركات الاتصالات الأميركية، مثل T-Mobile وVerizon وAT&T، ما يضع ضغوطاً على آبل للاستمرار في طريقها أو مراجعة استراتيجيتها.
بالرغم من ذلك، لدى آبل أسباباً قوية للبقاء في هذا المجال. أولاً، هناك تحول طويل الأمد نحو استخدام الأقمار الصناعية في الاتصالات المحمولة، والاستثمار المبكر قد يضعها في مركز هذا الانتقال بدلاً من الاعتماد على مزوّدي الاتصالات الأرضية. ثانياً، من خلال امتلاكها للبرنامج والواجهة وتجربتها، تضمن آبل أن خدمات الأقمار الصناعية تتماشى مع معاييرها العالية في التصميم والخصوصية. ثالثاً، بما أن الشركة تبيع منتجاتها في معظم أسواق العالم، والتغطية الأرضية في بعض المناطق مازالت ضعيفة، فإن دورها المباشر في الاتصالات الفضائية يعزّز حضورها العالمي. رابعاً، تعتمد الشركة حالياً على بروتوكولات تم تطويرها خصيصاً لشبكة Globalstar، ما يجعل التبديل لشبكات أخرى صعباً، وهو سبب إضافي لبناء خبرتها الخاصة.
آبل حالياً تعمل على دفع الخدمات إلى الأمام عبر عدة محاور: أولاً، إطار برمجة للتطبيقات الخارجيّة (API) يسمح للمطورين باستخدام الاتصالات الفضائية في تطبيقاتهم. ثانياً، نقل خدمة الخرائط (Apple Maps) إلى نمط يعمل عبر الفضائيات حتى في غياب شبكة خلوية أو واي-فاي. ثالثاً، تطوير قدرات إرسال رسائل متقدّمة عبر الأقمار الصناعية تُدعم الصور وليس النصوص فقط. رابعاً، تحسين ما يُعرف بـ "الاستخدام الطبيعي" للطاقة الفضائية، بحيث لا يكون المستخدم مضطراً لتوجيه الهاتف نحو السماء، بل يبقى الجهاز في الجيب أو السيارة أو حتى داخل المبنى ويواصل الاتصال.
من ناحية الأجهزة، من المُخطّط أن تدعم الهواتف القادمة من آبل تقنية 5G NTN، التي تتيح للأبراج الخلوية استخدام الأقمار الصناعية لتوسعة التغطية. ولتحقيق ذلك، فإن بنية Globalstar الفضائية تتطلّب تحديثات كبيرة، وقد ساهمت آبل بتمويلها جزئيًا. وإذا ما قامت شركة SpaceX في ما بعد بالاستحواذ على Globalstar، فإن ذلك قد يُسرّع تنفيذ التحسينات، لكن سيتطلّب من آبل أيضاً إعادة النظر في نموذجها التجاري طويل الأمد لخدمات الأقمار الصناعية.
إلى جانب ذلك، تعتزم آبل تحويل خطّة عملها بحيث تتيح بعض الميزات الأساسية مجانًا كثقافة جذب لمستخدميها، مثل خدمة الطوارئ، بينما الميزات الأكثر تقدّماً ستكون مدفوعة من خلال مشغّلي الاتصالات أو شركاء الفضائيات أو مباشرة من آبل. في حال اندماج SpaceX-Globalstar، فإن ذلك قد يعقّد المعادلة، لكن في المقابل قد يفتح فرصاً للتعاون الأعمق في الخدمات المدفوعة عالية المستوى.
هذه التطورات تضع آبل في قلب المنافسة التقنية. رغم تفوق بعض المنافسين في أسرع تبنّي لتقنيات الذكاء الاصطناعي، فإن التحركات الحديثة تُظهر أن آبل لا تزال تراهن على الابتكار المتدرّج وترابط الأجهزة والخدمات ضمن منظومة موحّدة. يبقى السؤال ما إذا كان المستخدمون سيرون تغيّراً محسوساً في التجربة، أم أن هذه التحسينات ستبقى خلف الكواليس حتى السنوات المقبلة.