'آش'.. مسرحٌ يُفكّك شيفرات الامتثال في عالم بلا بوصلة
في قلب المشهد المسرحي التونسي النابض، تطلّ مسرحية "آش" (Asch) في عودتها السبت 30 مايو/آيار 2026 فوق خشبة فضاء التياترو، لتكون أكثر من عرض فني، بل تجربة ذهنية وفلسفية تأخذ المشاهد في رحلة إلى أقاصي اللا معقول.
يفتح العمل ستائره على عالم متخيّل يحمل إسما يحمل في طياته دلالات السخرية والاحتجاج: "ما تتسماش تاوش"، حيث تُوكل مهمة الرصد والتوثيق لصحيفة تفتقر في مسمّاها إلى الواقعية، "ما وراء الخيال"، لتكون شاهدة على زمن بات فيه اللا-منطق هو القانون الأوحد.
رقصة فوق حافة العبث
لا تسعى المسرحية إلى محاكاة الواقع بتفاصيله المادية، بل تؤسس لسينوغرافيا إنسانية تعتمد على التجريد التعبيري. فمن خلال إخراج الشاب أمان الله الغزال، يتحوّل المسرح إلى مختبر مفتوح لديناميكيات النفس البشرية، حيث تتكسر مرايا المنطق أمام تتابع أحداث تفقد صلتها باليقين. إن البلاد التي نراها فوق الركح ليست إلا انعكاسا لواقع معقّد، حيث تتقاطع السخرية المريرة مع الأسئلة الوجودية، محوّلة خشبة المسرح إلى منصة لسبر "ظاهرة الامتثال" وتفكيك بنية "السرديات الجماعية" التي يبتدعها البشر لترميم تصدّعات عالمهم المنهار.
تتمحور الحبكة حول شخصية "مدام سيسكو تشاو"، رئيسة تحرير هذه الصحيفة العجائبية، التي تدفع بفريقها نحو متاهات غير مفهومة. يصبح اليوميّ في هذا العالم أكثر من مجرد مهمة صحفية، بل رحلة في أركيولوجيا الزيف والحقيقة. وينجح العمل الركحيّ ببراعة في تسليط الضوء على المعضلة الأبدية: كيف يقرأ الإنسان الظلم؟ وكيف تتحوّل مشاعره الفردية تجاه العبث الاجتماعي إلى طاقة جماعية تُعيد صياغة الواقع أو تتقبله كقدر لا مفر منه؟
"آش".. ما وراء التسمية والفكرة
لا يأتي عنوان المسرحية "آش" (Asch) من فراغ، بل هو إحالة ذكية وعميقة إلى تجارب عالم النفس سولومون آش (Solomon Asch) حول "الامتثال الاجتماعي" في الخمسينيات. لقد أثبتت تجارب "آش" أن الفرد قد يزيّف إدراكه الشخصي ويتبنى إجابات خاطئة لمجرد أن الجماعة من حوله أجمعت عليها، خوفا من الخروج عن السرب أو تشكيكا في حكمه الخاص أمام إجماع الآخرين.
هذا البعد العلمي هو مفتاح القراءة الذي اختاره صنّاع العمل لتفكيك سيكولوجية المجتمع، إذ تضعنا المسرحية أمام مرآة أنفسنا، متسائلة: إلى أي مدى نحن مستعدون لتزييف حقائقنا الداخلية إرضاء لسطوة الجماعة؟ تساؤل ودعوة للمشاهد ليغادر مقعد المتفرج، ويتحوّل إلى محلل لردود أفعاله الخاصة أمام ضغوط المجموعة.
رحلة بدأت من "الأردن" واستقرت في "ما تتسماش تاوش"
تفتتح المسرحية ستائرها على عالم متخيّل يُدعى "ما تتسماش تاوش"، حيث يصفه صناع العرض بقولهم: "في بلاد لا تسمّى تاوش، أحداث كثيرة مُدهشة تحدث".
في هذا العالم الغرائبي، تُوكل إلى "مدام سسكو تشاو"، رئيسة تحرير جريدة "حاجة من ورى العقل" (أمر يتجاوز العقل)، مهمة تكليف فريقها بـ "تغطية الأحداث الأخرى" في محاولة لفهم سريالية الواقع.
يقول مخرج العمل الشاب أمان الله الغزال إن الفكرة تمخّضت وولدت من رحم رحلة إبداعية انطلقت من الأردن عقب تجربة "بث تجريبي" التي جمعت عاشور والغزال، لتشكّل جسرا إبداعيا أشعل في قلب الفريق حاجة ملحة لاستعادة "رائحة الخشبة" والهروب من شبح العطالة المسرحية.
الصحافة تشريحٌ نفسيّ؟
ما يميز العمل أيضا، هو تحويل التحقيقات الصحفية إلى مختبر للسلوك الإنساني؛ فالفريق لا يكتفي بنقل الخبر، بل إن عمله "يعرّي على الظلم المحسوس اللي يربط بين الشخصيات"، معتمدا على أسس علمية في علم النفس الاجتماعي لتفسير ما يحدث. المسرحية هنا لا تحكي قصة فحسب، بل هي دعوة للمشاهد ليغادر مقعده، ويتحوّل بدوره محللا لردود أفعاله الخاصة أمام سطوة "ما تتسماش تاوش".
لا تكتفي مسرحية "آش" بأن تكون مجرّد عرض مسرحي يزجي الوقت، بل هي مواجهة جريئة مع مرآة ذواتنا الجماعية في زمن طغت فيه السيولة على الحقيقة. إنها دعوة مُلحّة للتأمل في تلك الخيوط الخفية التي تربطنا بالامتثال، وكيف يمكن لـ"اللا-معقول" أن يصبح قيدا يكبّل إدراكنا حين نتخلى عن صوتنا الفردي لصالح ضجيج السرديات الموحّدة.
من خلال هذا السفر في دهاليز "ما تتسماش تاوش"، يذكّرنا العمل بأن كل فعل نقوم به في مواجهة العبث، على بساطته أو ضآلته، هو خطوة نحو استعادة وعينا، وأن المسرح في جوهره ليس إلا محاولة دائمة لترميم المعنى في عالم لا يتوقف عن مراوغتنا.