كيف حوّل فيلم 'يوم شبه عادي' الخَرَف إلى تراجيديا يومية؟

المخرج التونسي سليم بلهيبة يقدّم تشريحا سينمائيا واقعيا مفرطا لتأثير الخرف المبكر في تفكيك الوجود وتصدّع الهوية الزوجية وسط رتابة الحياة اليومية وصمتها.

لا يقف فيلم "يوم شبه عادي" (Une journée presque ordinaire) للمخرج التونسي سليم بلهيبة عند حدود رصد السقوط السريري للذاكرة الإنسانية أمام معضلة الخرف، بل يذهب أبعد من ذلك ليجعل من الشاشة مسرحا لتفكيك الوجود في أدق لحظات انكساره وبنائه الهش. وعبر أداء استثنائي في واقعيته وبلا تكلّف أو استعراض لثنائي البطولة نادرة عاشور ورمزي عزيز، يتجاوز العمل السينمائي الكلاسيكي ليتحوّل إلى مرثية فلسفية تسائل الهوية عندما تفقد امتدادها الزمني المتصل، وتتحوّل فيه حياة الإنسان من سردية تاريخية متماسكة إلى شظايا متناثرة تبحث عن ملاذ آمن وسط صمت العالم واغتراب المكان.

العرض الأول وسياق الظهور

صَدَر الفيلم عام 2025، وشهد محطته الاستهلالية الأبرز وعرضه العالمي الأول نهاية العام ذاته خلال الدورة السادسة والثلاثين لـأيام قرطاج السينمائية (JCC)، حيث أُدرج ضمن قسم "بانوراما السينما التونسية".

ورغم أن العمل لم يتوّج بجوائز رسمية كبرى في مسابقات المهرجان، إلا أنه نال احتفاءً نقديا واسعا وجرى نقله لاحقا للعرض في مختلف الأقاليم التونسية؛ حيث لم يكن الهدف من إنتاجه حصد التتويجات بقدر ما كان منصة سينمائية تسعى لتحريك المياه الراكدة، وإثارة نقاشات مجتمعية ومواطنية جادة تعيد قراءة مرض الخرف والوصم الاجتماعي المسكوت عنه.

الإيقاع البطيء كخيار جمالي وأخلاقـي

منذ اللقطات الأولى، يعلن الفيلم انحيازه التام إلى الإيقاع البطيء، ليس كحيلة إخراجية بل كخيار جمالي وأخلاقي. فالكاميرا لا تستعجل الشخصيات، ولا تُجبر الأحداث على الانفجار. يتحرّك كل شيء في "الكادر" كما لو أنه يرزح تحت ثقل غير مرئي؛ فالصمت، والخطوات، والنظرات، كلها مغرقة في بطء شديد يحاكي تشقق الوعي ذاته.

ويشير المخرج سليم بلهيبة إلى أن الفكرة كانت تكمن في رصد المرض وهو يختبئ خلف قناع يصفه بـ "يوميّ يدّعي الامتلاء الزائف"؛ حيث تصبح الحوارات البسيطة، وإلقاء التحايا الروتينية، والخطوات المكررة، بمثابة ستائر دخان تحجب رؤية الانزلاقات الأولى والانحرافات الطفيفة عن الواقع المستقر.

تآكل الذاكرة وتفكك الهوية الوجودية

يقدّم الفيلم الشخصية المركزية (الزوج الذي يجسّده رمزي عزيز) ككائن مأزوم ينسحب تدريجيا وبلا ضجيج من العالم الخارجي. هنا، تتخلى الذاكرة عن وظيفتها الذهنية البسيطة لتصبح شرطا أخلاقيا للوجود؛ فأن تتذكر يعني أن تعترف، وأن تنتمي، وأن تمنح الآخر مكانه داخل سرديتك الخاصة. وحين تتآكل هذه الذاكرة، لا ينهار الماضي وحده، بل يتفكك الحاضر نفسه: تهتز القدرة على ربط الأشياء ببعضها، ليصبح العيش مجرد سلسلة من "الآن" المنفصلة، كأن الزمن انكسر إلى شظايا متناثرة لا تنتظم في حكاية واحدة.

وعن البناء الهيكلي لهذا التفكك، يوضّح المخرج سليم بلهيبة أنه استعار الأسلوب التشيخوفي (نسبة إلى أنطون تشيخوف)، حيث يبتعد الفيلم عن الشكليات التقليدية للقصة السينمائية القاطعة، موضحاً: ''الفيلم مبني كشظايا أو أجزاء من الحياة، مقاطع لا نملك بداياتها السابقة ولا نهاياتها الحتمية اللاحقة، وهو ما يترك مساحة واسعة للمتفرج كي يتدبر ويفكر بنفسه''.

الغياب داخل الحضور ومواجهة الوصم

في المقابل، تجسّد الزوجة (التي تؤديها نادرة عاشور) بُعدا آخر موازيا للفقدان: فهي لا تفقد ذاكرتها، لكنها تفقد شريكها وهو ما زال حاضرا جسديا أمامها. هذا الشكل من الغياب الجزئي، أو "الغياب داخل الحضور"، هو أحد أكثر عناصر الفيلم إيلاما.

وتستثمر البطلة خلفيتها الأكاديمية كأخصائية نفسية في الحياة المدنية لتفكيك هذه الديناميكية وتأثير الوصم الاجتماعي؛ حيث صرّحت قائلة: "إن الوصم ينبع أساسا من ثقافة الإنكار والرفض، فنحن كمجتمع نردد دائما: لا نريد أن نرى، لا نريد أن نعرف، لا.. كل شيء على ما يرام!". وتضيف الممثلة والمخرجة المسرحية أن روعة السيناريو تكمن في كونه تجنّب الكليشيهات المستهلكة التي تعرض المريض وهو في ذروة حالته المتأخرة، ليركز بدلا من ذلك على "المنطقة الرمادية الخفية" والبدايات الأولى التي يُساء فهمها عائليا ومجتمعيا.

وتعترف عاشور بأن الانتقال من حالة الإنكار والعصبية إلى التعاطف المطلق مع الزوج كان بمثابة تحوّل نفسيّ حاد، ساعدها على صياغته أداء شريكها رمزي عزيز، الذي كان أداؤه المغرق في "الارتباك والانكفاء الداخلي" بمثابة المولّد الحقيقي لانفعالاتها الصادقة على الشاشة.

سينما بلا خلاص معلّب

يتبدّى الصمت في "يوم شبه عادي" كخيار أسلوبي وموقف معرفي ناضج، إذ تفقد اللغة سلطتها التفسيرية على تخوم ذاكرة مفقودة، وتعجز الكلمات عن القبض على الأحداث لأنها تتجاوز المنطق السردي المعتاد. ومع تراكم مساحات الفراغ الصامتة، يُدفع المتفرج لاختبار القلق ذاته: قلق عدم الفهم، ليعلن الصمتُ في النهاية عجز اللغة أمام هشاشة التجربة الإنسانية.

السّمة الأبرز التي تمنح الفيلم قيمته النقدية العالية هي التقاؤه عند القطع الحاسم مع الخطاب العاطفي المباشر؛ إذ تُركت للتفاصيل اليومية الدقيقة مهمة البوح وسط رفض إخراجي واضح لأي "خلاص معلّب". لا يوجد في العمل شفاء، ولا ذروة درامية مفتعلة تعيد التوازن، ولا نهاية حاسمة تُعيد ترتيب الفوضى الذهنية.

ويتجلى الأداء التمثيلي لثنائي البطولة عبر تجسيد جراحي يقدّم صياغة بصرية ناضجة، فرمزي عزيز (الزوج توفيق الستيني المتقاعد) نجح في تجسيد مُغرق في الانكفاء الداخلي المفرط والتقمص الصامت، متجنبا أي مبالغة انفعالية. حيث اعتمد في آدائه بشكل كامل على نظرات فارغة وملامح حائرة لنقل حالة التخبّط والتشوّش الذهني الداخلي التي يعيشها مع تآكل وعيه.

كما أفلحت عاشور في تقديم أداء ناضج يعكس رصانة أسلوبية استثنائية، حيث تحرّكت بسلاسة وعفوية تحاكي الواقع اليومي، وتمكنت بذكاء من إدارة التحوّل النفسي الحاد لشخصية الزوجة، متقلبة بين العصبية والإنكار الأولي وصولا إلى التعاطف الإنساني الصادق دون أي زيادة درامية مفتعلة.

يُلقي بنا الفيلم في منطقة رمادية بامتياز؛ حيث العيش ممكن، لكن اليقين مستحيل. عملٌ يصوّر بدقة تشريحية الخسارات غير المرئية التي تجتاح الذاكرة حينما تتلاشى، تاركا المشاهد معلقا أمام سؤال وجودي موجع وبسيط في آن: إذا كانت الذاكرة هي ما يجعلنا بشرا، فماذا يتبقى منا حين تبدأ بالانسحاب، يومًا بعد يوم، في صمت مريب؟