أثر...
"النور الذي تتركه بداخل أحدهم، يضيئك أنت"، عبارة صادفتها على فيسبوك، فتوقفت عندها طويلًا، لأنها لامست حقيقة عميقة كنت أتدبر الكتابة عنها: أثر الإنسان في الإنسان، وكيف يمكن لشخص واحد أن يغيّر فكرًا كاملًا أو يبدّل مسار حياة.
أحيانًا لا يحتاج التأثير إلى ضجيج أو أفعال استثنائية، قد يكون في نصيحة او مساعدة وربما تحفيز في لحظة ضعف. هناك أشخاص أضاءوا الطريق لغيرهم دون أن يقصدوا الخلود، نتيجة لذلك داموا مضيئين حتى بعد أن غادروا الحياة.
يستذكرهم الناس لا بأسمائهم فقط، بل بما تركوه في الداخل: طمأنينة، شجاعة، أو قدرة على الاستمرار. لذلك يُقاس الأثر الحقيقي، ليس بما نملكه، بل بما نزرعه في الآخرين، وبالنور الذي يظل حاضرًا حتى حين نغيب.
أدباء وفنانون وأطباء تركوا بصماتهم في المجتمع أثناء حياتهم، وما زلنا نتأثر بهم بعد رحيلهم، كانت رسالتهم الأهم في الحياة: الإنسان هو أثره.
يذكرهم العالم بأسره لا بموجب المال أو الشهرة بل بفضل ما غرسوه في نفوس الآخرين. من علم، أو إلهام، وربما بطولة.
كم من أشخاص وُلدوا كعاديين، لكن عملً واحد جعلهم خالدين؟ وهناك من كان له عمق التأثير، فامتدت بصيرته إلى أجيال بأكملها، تاركًا بصمة لا تُمحى.
هذه الحقيقة تذكّرنا بأن كل فعل مهما كان بسيط، كل كلمة صادقة، وكل مساعدة يمكن أن تصبح نورًا يضيء حياة الآخرين، ويجعل وجودنا في هذا العالم ذا معنى أبدي.
وعلى الصعيد الشخصي، فإن اهتمامي بالأدب والأدباء جعلني أتأثر بكوكبة منهم، وعلى رأسهم الكاتب النمساوي: ستيفان زيفايغ. هذا الكاتب الذي قدّم للعالم أعمالًا خالدة مثل رسالة من امرأة مجهولة والليلة العجيبة، وكتب عن سير أهم وأشهر الشخصيات، مثل روايته المذهلة عن ملكة فرنسا ماري أنطوانيت.
عند قراءة كتابات صاحب "السر الحارق"، نجد أنه سلط الضوء على الإنصات للصراع النفسي الصامت في النفس البشرية، وعلى الخبايا التي غالبًا ما تمر دون أن يلحظها أحد. وحتى اليوم، ما زالت كتاباته تحتفظ بسحر خاص، وتخاطب الروح بطريقة تجعل القارئ يعيش التجربة الإنسانية بكل عمقها، ويتلمس مشاعر الشخصيات كما لو كان بمواجهتها.
أمّا صاحب "قصر الشوق"، نجيب محفوظ، فيمثّل خبرة أدبية استثنائية خالدة، وتجربة لا يملّ القرّاء من العودة إليها، وأنا في مقدّمتهم. استطاع محفوظ، عبر ما يمكن تسميته بـ"عفاريته" السردية، أن يجعل الإنسان البسيط مركز الحكاية، وأن يقدّم حياتنا اليومية بما تحمله من أحلام ومخاوف وصراعات بصدق وعمق لافتين. هكذا تحوّل العادي في عالمه إلى حدث غير عادي ظل مؤثرا عبر الزمن.
وفي وقتنا الراهن، لا يسعني إلا أن أذكر الكاتب والصحفي علي حسين، أو كما أحب أن أناديه: الخال. لقد حظيت بفرصة العمل تحت إشرافه في مؤسسة المدى، وليس لي بد من أن ذكر عمق الأثر الطيب الذي تركه الخال بداخلي، من خلال تعامله وكتاباته، وحبه العميق للكتب والمكتبات.
علي حسين ليس مجرد كاتب وصحفي، بل معلّم وملهم، تأثيره يمتدّ من خلال كلماته وأفكاره التي قربتنا أكثر إلى عالم المعرفة.
وأخيرًا، أستعجب من نفسي، أحبها وأبغضها في ذات اللحظة. في زمان يركض فيه الناس خلف المال والشهرة والقوة، أسعى أنا خلف: خلق الأثر.
كما ترك الأدباء الذين قرأت لهم أثرًا بداخلي بكلمة، أو موقف، أو فكرة، أسعى أنا لأن أترك علامة فارقة في عملي وحياتي، وفي كل ما أقدّمه.
ولا زلت مؤمنة برسالة الحياة، كما جاء في ملحمة كلكامش: الإنسان خالد بأعماله، وبما يتركه وراءه من رسم صادق يظل حيًا في ذاكرة الآخرين حتى بعد رحيله.