صديق ما زال ينتظر..
"خير جليس في الزمان كتاب"، ومن تعلّقت روحه بالقراءة يجد في الصفحات خير أنيس. فكما يُقال، إنك حين تقرأ، تسمع صوت روحٍ ربما من آلاف السنين، تهمس لك بحكاياتها الشيقة، بين السعادة والشقاء والحب والألم والمغامرة؛ نقرأها مجرد سطور، لكنها حياة كاملة عاشها أبطالها بحق.
لكن ما يقلق القارئ، ويقلقني أنا شخصيًا، تلك المؤلفات التي ما زالت تنتظر دورها على رفوف مكتبتي؛ فعندما أنظر إليها، لا أراها مجرد مخطوطات، بل أراها حيوات كاملة بانتظاري.
في كتاب الخلاصة لويليام سومرست موم، يقول عن القراءة:
“بالنسبة إليّ، القراءة راحة كما تكون المحادثة أو لعبة الورق لغيري. هي أكثر من ذلك؛ هي ضرورية، وإذا حُرمت منها قليلًا أجد نفسي متضايقًا مثل مدمن محروم من مخدّره. وأفضّل قراءة جدول مواعيد أو فهرس على ألا أقرأ شيئًا على الإطلاق".
لكن في عصر السرعة الذي نعيشه اليوم، هل يمكن لنا حقًا الاطلاع على كل الأعمال التي تمكث على رفوف مكتباتنا؟
أتساءل كثيرًا: ما الذي يجعل بعض المخطوطات تنتظرنا أكثر من غيرها؟ هل هي ظروف الحياة؟ أم مزاجنا الذي لم يعد خاليًا مع تقدم العمر وتحمل المسؤوليات والانشغالات؟ أم أن الأمر كما يُقال: ليست كل الكتب تناسبنا في كل وقت؟
يقول زكي نجيب محمود في شدة تعلقه بالقراءة:
"ولكن كيف تقرأ؟ اقرأ وكأن الذي معك ليس كتابًا من صفحات مرقومة… بل كأنك تتحدث مع مؤلف الكتاب، اقرأ وكأن الذي معك هو الرجل الحي يعرض عليك فكرته أو خبرته بصوت مسموع…"
و برأيي ، كل المؤلفات خلقت لنا، حتى ذلك الكتاب الذي نظن أننا لم نستفد منه، قد يحمل رسالته الخفية: أن هذا الطريق ليس طريقك الآن. ربما لم يحن وقتك لتفهمه، أو ربما ما زال عقلك غير مستعد لرحلته.
أما أنا، كقارئة، فأعيش منذ عشر سنوات هذا الصراع، بين الرغبة في الاستمتاع والاستفادة من كل أصدقائي على الرفوف، وبين ضيق الوقت وظروف الحياة.
قررت مؤخرًا أن أكون متسامحة مع نفسي قليلًا في التأخر والتلكؤ مع بعض الصفحات، وأن أحافظ على أمنيتي الأبدية: أن يمنحني القدر يومًا حياة أستطيع فيها مجاورة كل أصدقائي، وسماع صوت الروح البعيدة من آلاف السنين، والشعور كما يشعر من رأى كل شيء…