أربعة عقود من الحكمة السعودية في مواجهة الاستفزازات الإيرانية
تعدّ العلاقات بين الدول عنصرًا أساسيًا في تشكيل ملامح الاستقرار الإقليمي، حيث تتأثر بتباين المصالح، واختلاف الرؤى السياسية، وطبيعة المشاريع التي تتبناها الأنظمة الحاكمة في الدول المجاورة لبعضها على وجه التحديد. وقد ظلّ التفاعل بين القوى الإقليمية في الشرق الأوسط محكومًا بعوامل تاريخية وأيديولوجية متشابكة، انعكست بصورة مباشرة على أمن الشعوب ومسارات التنمية.
وبرز في هذا السياق العلاقة بين المملكة العربية السعودية والنظام الإيراني كواحدة من العلاقات القائمة على المد والجزر، لما تحمله من تباين واضح في المنهج والأهداف وطريقة التعاطي مع قضايا المنطقة.
وعلى أكثر من أربعة عقود من الزمن، لم تكن العلاقة بين المملكة العربية السعودية والنظام الإيراني قائمة على الود أو القبول، بل على الخلاف والاختلاف بين رؤيتين مختلفتين حدّ التناقض؛ فللسعودية رؤية دولة وطنية مسؤولة تسعى إلى الاستقرار والتنمية، سواء لمواطنيها أو لدول الجوار، في مقابل رؤية نظام قائم على زعزعة استقرار الجيران تحت لافتة "تصدير الثورة"، بهدف تغيير خرائط المنطقة ونشر الفوضى، وهو النهج الذي يتبناه النظام الإيراني كأيديولوجية تحكمها ولاية الفقيه.
إن قراءة هذه العلاقة تكشف حجم الاستفزازات التي تعرضت لها الرياض من قبل النظام الإيراني وأدواته في المنطقة، كما تكشف في الوقت نفسه عن مدى الحكمة السعودية التي عملت على احتواء هذه الأزمات دون الانزلاق نحو أتون حرب عبثية قد تؤدي إلى جرّ المنطقة نحو صراعات لا نهاية لها.
وقد بدأت شرارة هذا التوتر مع استيلاء نظام ولاية الفقيه على إيران، وإعلان الخميني منذ اللحظة الأولى رغبته في تصدير الثورة، وهو مصطلح سياسي يعني التدخل في الشؤون الداخلية لدول الجوار بهدف قلب أنظمة الحكم فيها وبناء ولاءات عابرة للحدود.
وقد مثّل هذا الإعلان تهديدًا مباشرًا للأمن القومي، سواء للمملكة العربية السعودية أو لغيرها من الدول العربية. ولم تقتصر هذه الاستفزازات على التصريحات، بل تحولت إلى أفعال من خلال بث برامج عبر إذاعات موجهة لنشر الأفكار المتطرفة، ومحاولة شق صفوف المسلمين وإقحامهم في صراعات خلال موسم الحج.
وكانت الاستفزازات الإيرانية في موسم الحج من أكثر الممارسات تعدّيًا على المشاعر الإسلامية، حيث حاول النظام الإيراني تحويل موسم الحج إلى منصة للمظاهرات والاحتجاجات. وقد شهد موسم الحج لعام 1408هـ أعمال شغب وتخريب في مكة المكرمة قامت بها مجموعات إيرانية مدفوعة من نظام ولاية الفقيه، وأدت تلك الأحداث إلى سقوط ضحايا من حجاج بيت الله الحرام.
ورغم ذلك، استمرت الماكينة الإعلامية الإيرانية في التحريض ضد السعودية والتصريح بمحاولة سلبها سيادتها على إدارة شؤون الحج، بل وطالب مسؤولوها أكثر من مرة بتدويل الحج. وقد قوبلت هذه الدعوات بحكمة وضبط نفس سعودي، تُرجم في حماية الحجاج، والتطوير الهائل في البنية التحتية للحج، وتقديم نموذج سعودي اثبت للعالم أجمع الكفاءة السعودية، وأكد على أن الرد الحقيقي يكون بالعمل لا بالضجيج الإعلامي.
وعندما لم ينجح النظام الإيراني في زعزعة استقرار دول الجوار عبر محاولات قلب أنظمة الحكم من الداخل، انتقل إلى اعتماد حروب الوكالة وتوسيع نفوذه في المنطقة عقب الغزو الأميركي للعراق عام 2003. وعمل هذا النظام على بناء ما يُعرف بـ"الهلال الشيعي" عبر دعم ميليشيات مسلحة في سوريا ولبنان وغيرها.
وكانت اليمن، بحكم عمقها الاستراتيجي والجغرافي بالنسبة للمملكة، وجهةً بارزة للنظام الإيراني، حيث دعم ميليشيا الحوثي بالصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفت مدن المملكة ومنشآتها الاقتصادية، وعلى رأسها شركة أرامكو. وانتقلت بعد ذلك لاستهدف نظام الملالي البعثات الدبلوماسية، وكان من أبرز ذلك الاعتداء على البعثة الدبلوماسية السعودية عام 2016 من خلال التحريض المباشر، وشهدنا مؤخرا كيف تصرف النظام الإيراني عقب شن الهجوم عليه من أميركا وإسرائيل في نهاية فبراير/شباط الماضي حيث لم تكد تمض على هذا الاستهداف عشر دقائق حتى كانت صواريخ ومسرات النظام الإيراني تستهدف دول الخليج في عمل استفزازي ومتهور يمثل امتدادا لسلسلة طويلة من هذه الاستفزازات المبنية والقائمة على حقد أيديولوجي ومذهبي يتبناه نظام ولاية الفقيه.
ومع كل تلك الاستفزازات والمحاولات لاستهداف المملكة وأمنها واقتصادها، ظلت المملكة متمسكة بالحكمة والصبر وتجاوز المحن حفاظًا على أمنها واستقرارها. وأطلقت رؤية 2030 بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، منتقلةً من ردود الأفعال إلى صناعة الفعل، وعملت على إنشاء وافتتاح مشاريع كبرى تخدم المواطنين وتحفظ لهم الاستقرار الأمني والاقتصادي.
وأثبتت أنها صمام أمان ليس لمواطنيها فحسب، بل للمنطقة العربية بأكملها. وكانت مواقفها في اليمن أكبر دليل على ذلك، منذ إعلان عاصفة الحزم ضد الانقلاب الحوثي، مرورًا بجهودها المستمرة لحماية الشرعية، وصولًا إلى حملاتها الأخيرة لدعم الاستقرار في جنوب اليمن.
وإن كل هذه الاستفزازات الصادرة عن النظام الإيراني والموجهة ضد المملكة تجسد صراعًا بين منهجين: أحدهما يقوم على نشر الفوضى والخراب والدمار بين الأوطان، والآخر قائم على الحكمة وتغليب مصلحة الدول والشعوب على مشاريع الدمار. ولم تكن الحكمة السعودية يومًا ضعفًا، بل كانت أرقى درجات القوة؛ لأنها نابعة من الثقة بالذات، والمشروع الوطني والعربي القائم على العلم والعمل.